كل شهر زهره الربيع 2

ردت “مريم” وهي تنظر إليه من الأعلى إلى الأسفل بنظرة أجهزت على ما تبقى من غروره:
– “مجبرين؟ لا يا شريف.. أنا كنت عايشة معاك باختياري وبحبي، لكن لما الحقيقة ظهرت وعرفت إنك شايفني ‘صايعة بلم إيجارات’ وبتستغلني عشان تغطي عجزك، الاختيار ده انتهى.”
ثم أخرجت من درج قريب ملفاً أحمر ورمته على الطاولة أمام عينيه:
– “دي كشوف الحسابات للـ 10 سنين اللي فاتوا.. مجموع اللي اتصرف عليك وعلى أهلك وعربيتك وشقتك يتجاوز الـ 3 مليون جنيه. أنا مش هطالبك بكل ده.. أنا هطالبك بحقي القانوني الثابت بس: الشقة أو التنازل عنها، ودفع بقية مستحقاتي. غير كده، قضايا الحجز ماشية، والأسبوع الجاي البنك هيسحب عربيتك.”
ارتجفت شفتا “شريف”، وشعر لأول مرة بالحجم الحقيقي لـ “مريم”.. لم تكن مجرد زوجة هادئة تطيعه وتدفع الفواتير، بل كانت العقل المدبر ومحرك العائلة الأوحد، وبدونها، أصبح هو وأهله مجرد أوراق شجر تتطاير في الهواء.
قال بنبرة يكسوها الانهيار والتوسل المستتر:
– “يعني هتهدي كل حاجة عشان كلمة أتقالت في لحظة غضب؟”
ردت وهي تفتح الباب على وسعه وتومئ له بالخروج:
– “الكلمة دي مكنتش لحظة غضب يا شريف.. الكلمة دي كانت الحقيقة اللي جوّاك وجوّة أهلك ناحيتي. إنتوا كرهتوني لأنكم محتاجينلي، واحتقرتوني لأنكم عاجزين توصلوا للي أنا وصلتله. العاطلة الخايبة بتمسحكم من حياتها.. اتفضل برة.”
خرج “شريف” يجر أذيال الخيبة والكسرة، يدرك أن الأيام القادمة لن تحمل له سوى المواجهة القاسية مع الديون والمحاكم والمصير المحتوم.
خرج “شريف” من الشقة وكأن الأرض تميد تحت قدميه. شحب وجهه، وغطى الخزي ملامحه، بعدما أدرك تماماً أن “مريم” التي عرفها لسنوات قد ولّت بلا رجعة، وأن التي تقف أمامه الآن هي امرأة أعمال صارمة تعرف كيف تسترد كرامتها وحقها بالقانون.
عاد إلى شقة “التجمع”، فوجد أمه وأخاه ينتظرانه بلهفة على أمل أن يحمل معه خبر التهدئة أو عودة المياه إلى مجاريها.
أول ما وطأت قدمه الباب، بادرته أمه “نادية” بلهفة:
– “ها يا شريف؟ عملت إيه مع العقربة دي؟ وافقت ترجع وتلغي القضايا؟”
نظر إليها “شريف” بنظرة فارغة، ثم ألقى بجسده على الأريكة ووضع رأسه بين يديه، وقال بصوت خافت مكسور:
– “مفيش رجوع يا أمي.. مريم مش راجعة، ومسألة وقت الشقة دي إما تتكتب باسمها أو تتباع في المزاد، والعربية هتتسحب الأسبوع الجاي.”


