كل شهر زهره الربيع 2

صمتت لبرهة، ثم أخرجت من حقيبتها القلم الذهبي الفاخر الخاص بها، ووضعتها فوق أوراق التسوية والطلاق التي أعدها المحامي.

أكملت وكلماتها تنزل بوضوح كالماء النقي:

– “التنازل عن الشقة هو حق أصيل ليا، وفلوسي اللي اتصرفت مش هطالبك ببقيتها، اعتبرها ثمن الدرس اللي اتعلمته في الـ 10 سنين اللي فاتوا.. درس أثبتلي إن الست لما تدعم راجل مش مقدّر، بتعلموا الطمع ومش بتعلموا الأصول.”

التفتت إلى الأستاذ عادل وقالت:

– “جاهزة للتوقيع يا أستاذ عادل.”

مرر المحامي الأوراق. أمسكت “مريم” القلم ووقّعت بثبات على عقد التسوية النهائية، واستلام الشقة، ودعوى الطلاق بالإبراء بالتراضي.

وقع “شريف” بعدها ببدن يرتجف، وقلم يرتعش بين أصابعه. كانت كل جرة قلم منه بمثابة توقيع على نهاية أوهام الغرور والسيطرة، وبداية لمواجهة واقعٍ سختٍ كان يتهرب منه لسنوات.

بعد انتهاء التوقيعات، وقفت “مريم”، أغلقت حقيبتها، وعدلت معطفها الراقي.

رفع “شريف” رأسه إليها بصوت مبحوح:

– “مريم.. هل ممكن في يوم من الأيام تسامحيني؟”

توقفت “مريم” عند الباب، التفتت ونظرت إليه للمرة الأخيرة. لم تكن في عينيها قطرة كره، بل كان فيهما شيءٌ أشد قسوة من الكره.. كان فيهما “اللامبالاة الكاملة”.

قالت بهدوء يبعث على القشعريرة:

– “المسامحة دي للي أخطأ في حقك بحسن نية يا شريف.. مش للي استغلك وحاول يكسرك ويصغّرك عشان يحس بوجوده. أنا مش زعلانة منك، أنا متشكِرة ليك.. لأنك كشفتلي نفسي، وعرفتك قيمتي بجد.”

فتحت الباب وخرجت إلى قاعة المحاماة بخطوات واثقة، صلبة، تُسمع رنتها في أرجاء المكان.

نزلت إلى الشارع، واستقلت سيارتها. أدارت المحرك، ونظرت عبر المرآة إلى المبنى وهو يبتعد خلفها.

خلال أشهر قليلة بعد ذلك اليوم:

تمت إجراءات الطلاق رسمياً.

تسلمت “مريم” شقة “التجمع”، وقامت بعرضها للبيع فوراً واستثمار ثمنها في شراء قطعتي أرض جديدتين في منطقة واعدة، أضافتهما إلى إمبراطوريتها العقارية.

حصلت على شهادة الماجستير (MBA) بامتياز مع مرتبة الشرف، وأصبحت استشاراتها العقارية تُطلب من كبرى الشركات في مصر. أصبحت امرأة لا تعتمد على أحد، ولا تسمح لأحد بأن يحدد قيمتها أو يقلل من شأن تعبها.

أما “شريف” وأهله.. فقد انتقلوا للعيش في شقة إيجار قديم بسيطة بفيصل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *