(خادمتى الفاتنة) رياض وهدير بقلم منال عباس الثالث والاخير وقف الجميع في القاعة الكبرى مذهولين ومرعوبين وهم يرون رياض يجر هدير خلفه بقسوة بالغة ودموعها تبلل وجهها البريء وهي تكاد تتهاوى من شدة الإعياء والرعب، ألقى بها وسط القاعة كالجمر المحترق لتصطدم بالأرض الباردة، ورمى الصور والمستندات المفبركة أمام ابتسام التي غطت وجهها بيديها من صدمة المنظر، صرخ رياض بصوت جهوري يهز أركان القصر وكأنه رعد قصف في ليلة مظلمة: ” هي دى اللى أمنت عليها ودخلتها قصري! دى اللي حاربت العالم م علشنها لتبيعني لأجل الحقير سيف!”، رفعت هدير وجهها المضروب بالخوف والدموع وصاحت بصوت متهدج يقطر ألماً وقهرًا: “والله كذب يا رياض.. والله العظيم ما خن*تك ولا عمر كلمة خرجت مني لغيرك، افتح عيونك وافهم!”، اقترب منها رياض بخطوات مرعبة وانحنى ليقبض على وجنتيها بقسوة جعلهما تشتعلان الماً، وهمس بصوت خشن ومرعب يشبه فحيح الأفعى: “الصور تنطق، والأدلة أمام عيني، وكنت غبي لما صدقت أن زهرة ريفية مثلك ممكن تخلص لرياض الجارحي، لكن اعرفي أن جزاء الخيانة عندي أثقل مما تحتمِلين”، وقبل أن تكمل دفاعها، التفت رياض إلى الحراس وأمرهم بصوت حاسم وجليد يقطر من كلماته: “خذوها إلى القبو المظلم وارموها هناك، واياك حد يقرب منها، وهسوف ازاى هينقذكِ سيف الآن”، شحب وجه ابتسام وصرخت وهي تحاول الاحتماء بها، لكن هيبة رياض وجنونه أخرسا الجميع، بينما سحبت هدير وهي تصرخ باسمه وتتوسل إليه أن يصدق براءتها، غير دارية أن سموم نرمين وسيف قد بلغت غايتها وأن العاصفة الكبرى قد بدأت للتو.بقلم منال عباس تحت الأرض في ذلك القبو الرطب والمظلم كانت الإضاءة الشاحبة تنعكس على جدران حجرية باردة تزيد المكان وحشة، أُلقيت هدير على الأرض القاسية وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وتجهش ببكاء مرير يهز أضلعها، صوت أنفاسها المتهدجة يختلط بصمت المكان المخيف بينما تتردد كلمات رياض القاسية في رأسها كالمطارق المدمرة، لم تكن تشعر ببرودة المكان ولا بوحشته بقدر ما كان يؤلمها ذلك الجرح الغائر في قلبها؛ كيف لرجل حارب العالم من أجلها أن يصدق فيها خيانة بهذه البشاعة بلمح البصر؟ وفي تلك الأثناء داخل القصر، كان رياض جالساً على مقعد مكتبه يمسك برأسه الذي يكاد ينفجر من صراع مرير بين غضبه الأعمى وبين طيف عينيها البريئتين اللتين ترفضان مغادرة مخيلته، رغم كل أدلة الإدانة المزيفة كان صدى صوتها وهي تقسم ببراءتها يرن في أذنيه كالجرس المزعج، وفجأة فتح باب المكتب بدفعة قوية لتدخل ابتسام وجهها شاحب ودموعها تسيل بغزارة، لم تبالِ بهيبة رياض ولا بنظراته الجليدية بل تقدمت منه ووقفت أمامه بقوة وقالت بصوت متهدج: “اتقي الله يا رياض بيه.. هدير مربياها على ايدي وعمري ما شفت منها خطيئة واحدة، البنت دي بتمو.ت في حبك من قبل ما تحط عينك عليها، والكلاب اللي بره هما اللي دبروا الفخ ده عشان يك.سروك بيها!”، كادت كلمات ابتسام أن تضر.ب في صميم عقله وتزعزع يقينه، لكن غروره وكبرياء الجارحي جعلاه يرفض الاعتراف بالخطأ، فلوح بيده بحزم جاف وصاح بها بصوت خشن: “اطلعي بره يا ابتسام.. الدليل قاطع ومينفعش أرجع في كلامي قبل ما أعرف الحقيقة كاملة”، وما إن خرجت ابتسام مكسورة القلب حتى استشاط رياض غضباً من نفسه ومن شكه اللعين، فنهض كالأسد الجريح واتجه بخطوات واسعة نحو القبو المظلم لينزل ويواجهها بنفسه ويعرف إن كانت حقاً خائنة أم ضحية مؤامرة دنيئة، وما إن فتح باب القبو الباب الحديدي الصدئ وصاح باسمها في الظلام حتى فوجئ بمنظر مرعب جعل الدم يتجمد في عروقه؛ كانت هدير فاقدة للوعي وتتوسط الأرض الباردة وجسدها غارق في بقعة دم صغيرة بسبب وعكتها الفجائية الناتجة عن الصدمة والرعب، ليتسع عطفه وجنونه في آن واحد ويهوي على ركبتيه صارخاً باسمها بجنون: “هديرررر!” وهو يحملها بين أحضانه كالمجنون ويصعد بها كالبرق إلى الأعلى صارخاً في وجه الجميع لطلب الطبيب فوراً، وعيناه تشتعلان بنيران الندم والتوعد لكل من كان السبب في إيصالها إلى تلك الحالة. بقلم منال عباس كان القصر كله مقلوب فوق تحت والدكاترة طالعين نازلين ورياض واقف قدام باب الاوضه كأنه بركان وهيغلي من كتر النار اللي جوا قلبه، عيونه حمرا وشعره منكوش من كتر ما كان بيشد فيه بندم وجنون وهو مش مخلّي حد ينطق بحرف، وأول ما الباب اتفتح وطلع الدكتور وهو بيمسح عرق جبينه، هجم عليه رياض ومسكه من ياقة هدومه وصرخ بصوت مرعب: “حصلها ايه انطق حالا لو حصلت لها حاجة هندفنكم كلكم مع بعض!”، بلع الدكتور ريقه برعب وقال بصوت مرتعش: “الـ… الحمد لله البنية فاقت، بس جسمها ضعف جداً من صدمة عصبية شديدة، ولازم الراحة التامة وتبعد عن أي انفعال لأن قلبها كان هيتوقف من الرعب”، ودا اللى سبب نزيف من مناخيرها .. ساب رياض الدكتور ودخل الاوضة بخطوات تتقل كالجبال، لقى هدير نايمة على السرير ووشها أصفر زي الليمونه وعيونها مطفية ودموعها نازلة بصمت وهي باصة للفراغ، اقترب منها ببطء ووقف جنب السرير وقلبه بينبض بعنف لأول مرة يحس فيه بالضعف بالشكل دا، مد إيده عشان يلمس خدها، بس هي انكمشت على نفسها بجسمها المرتعش وزقّت إيده بقوة وضعف وهي بتقول بصوت مكسور هدير : “ابعد عني… متلمسنيش… انت قلت خاينة ورْميتني في الضلمة… ليه عملت فيا كده يا رياض، هو أنا كنت عندك ايه غير لعبة؟”، نزلت كلماتها على قلبه زي ط*عنة السكين، فحاول يقرب تاني ويضمها لصدره وهو بيكلمها بصوت مبحوح ومهتز: “حقك عليا يا هدير… حقك عليا، اعذريني، عيني عمتها الغيرة والجنون لما شفت صورك… بس أقسم بالله لأقلب الدنيا على اللي عمل فيكي كده وأخليهم يتمنوا الم*وت وما يطولوهوش”، بصتله هدير بعيون مليانة عتاب وقهر وقالت بصوت هامس: “الكلام مفيش منه فايدة يا رياض… طالما شكيت فيا وصدقت فيا السوء، يبقى مفيش بنا عيشة تاني، ورجعني لبيت خالتي”، اتجمد الد*م في عيونه وظهر الجارحي بكل جبروته وبصوت صارم وغاضب صرخ فيها: “تخرجى من هنا؟ على جثتي! انتي مراتي وملكي ومحدش هيقدر يبعدك عني خطوة واحدة، واللي دبر الليلة دي هيخلص حسابه معايا الليلة دي قبل بكرة!”، وسابها وخرج كالإعصار والشرار بيطير من عيونه وهو بينادي على الحراس وبيأمرهم يجيبوا سيف ونرمين حالا لعرين الأسد عشان يبدأ حساب الد*م الحقيقي. مبقاش رياض الجارحي لو ما دفعتوش التمن غالي قوي، الكلمة دي كانت بتتردد جوه دماغه زي دقات الطبول وهو نازل على السلم وخطواته بتهز القصر كله، وفي دقايق معدودة كانت العربيات بتاعت رجاله جابت سيف ونرمين ورموهم قدامه في قاعة الاستقبال الكبيرة زي الكلاب، سيف كان وشه كله ورم ودم وجسمه بيترعش من الرعب أول ما شاف نظرة رياض اللي كانت بتطلع شرار ونار، ونرمين كانت واقفة بتتصنع القوة بس وشها أصفر زي الليمونه وشفيفها بترف من الخوف وهي بتقول بصوت مرتعش: “انت اتجننت يا رياض ولا ايه؟ تجيبنا بالطريقة دي عشان حتة خدامة..”، ما كملتش كلمتها وكان قلم من رياض نزل على وشها خلاها تلف حوالين نفسها وتوقع على الارض وهي بتصرخ من قوة الصدمة، وقرب منها ووطى عليها وشدها من شعرها لحد ما بقت في وشّه وبصوت فحيح أفعى مرعب قال لها: “صوتك الواطي ده لو علي تاني أقسم بالله أقطعهولك، ومفكراني أهبل ومش هعرف إن أنتي والحقير ابن عمي اللي لعبتوا اللعبة الو*سخة دي وفبركتوا الصور؟”، سيف حاول ينهض وقال بتهته وخوف: “يا ابن عمي اسمعنا… دي.. دي كدبة ومحطوطة عشان تفرق بيننا..”، هجم عليه رياض زي الأسد الجريح ونزل فيه ضر.ب مبرح لحد ما دماه بقت تملى المكان وهو بيصرخ في وشّه: ” أنتم خونة وكلاب، ومقبرتكم هتكون هنا وتحت إيدي الليلة دي قبل بكره!”، وبعدين وقف وبص لرجاله وقال بصوت عالي وصارم: “خدوهم ارموهم في المخزن القديم اربطوهم بالحبال لحد ما أعاملهم بطريقتي اللي هتعلمهم الأدب صح”، وبعدها سابهم وطلع جري على السلم ودخل الاوضة عند هدير اللي كانت قاعدة ضامة رجليها لصدرها وبتعيط بصمت، دخل وقعد على ركبه قدامها ومد إيده بحنان وخوف عشان يمسك إيدها وهو بيقول بصوت مكسور لأول مرة: “حقك رجع يا هدير، الكلاب اعترفوا بكل حاجة والكدبة انكشفت، سامحيني، أنا أسف، وعمري ما هسمح لحيّ على وجه الأرض يمس شعرة منك تاني، انتي روحي وعمري كله ومافيش بعدك حياة”.بقلم منال عباس رفعت هدير عيونها اللي مليانة دموع وبصتله بعتاب محب بس قلبها الضعيف كان أضعف بكتير من أنه يشيل كره ليه، وخصوصاً لما شافته بيترجاها بعيونه وبكدة بيندم على كل دمعة نزلت منها، مدت إيدها المرتعشة مسحت دموعها وقالت بصوت هامس: “سامحتك يا رياض… بس قلبى اتوجع قوي”، نزل كلامها على قلبه زي المطر البارد اللي طفى نار جهنم اللي كانت قايدة جوه صدره، فشدها لحض.نه بقوة كأنه بيلحمها جوه ضلوعه، ومبقاش عايز من الدنيا غير رضاها وهدوء عيونها، ومن اللحظة دي اتغير رياض الجارحي تماماً، وبدل القسوة والتجهم بقا حنية ودلال مبيخلصش لهدير، وبعد أيام قليلة كان القصر بينبض بالحياة والأضواء والزينة اللي ملاية كل شبر فيه، وجه اليوم اللي انتظرته البلد كلها، فرح رياض الجارحي وسيدة القصر هدير، الفرح اللي اتكلمت عنه مصر كلها وكان عنوان للفخامة والعظمة، قصر الجارحي كان مليان بكبار الشخصيات ورجال الأعمال والوزراء اللي جايين يباركوا لأسطورة رجال الأعمال بزيجته اللي هزت المجتمع، وهدير كانت قاعدة قدام المراية جوه جناحها مرتدية فستان زفاف أبيض أسطوري مرصع بالألماس والحرير الفاخر، زادها براءة وجمال خلاب يسرق العقول، وكأنها حورية نازلة من الجنة، وابتسام خالتها كانت واقفة جنبها بتزغرد بدموع الفرح وبتبوس راسها وهي مش مصدقة إن بنت اختها بقت ملكة القصر وبطليقته، وفي اللحظة دي فتح الباب ودخل رياض، وبمجرد ما وقعت عيونه عليها اتسمر في مكانه وتاهت أنفاسه من هول جمالها الساحر، قرب منها بخطوات بطيئة ووقف قدامها، ووطى على إيدها باسها بكل عشق واحترام، وهمس بصوت دافي هز أروقة قلبها: “كنت فاكر إن الملكة بتاعتي ملهاش زي، طلع القمر نفسه هو اللي نزل بقى مراتي”، ابتساماتها الزاهية ملأت وجهها الخجول وقالت برقة: “ولا أنا كنت أحلم بكل ده لولا حبك اللي أنصفني”، مسك إيدها ونزلوا سوا على درج القصر الكبير على أنغام الموسيقى الهادئة، وكل العيون كانت مصوبة عليهم بانبهار شديد، وسابوا وراهم كل الحاقدين والكلاب اللي حاولوا يفرقوهم، عشان تبدأ حياة جديدة مليانة حب وعز وسعادة مطلقة جوه قصر الجارحي، ومليكة الصغيرة حواليهم بتجري بفستانها البمبي الهادي وهي بتصقف وتضحك وتقول بفرحة: “ديرو وبابا بقوا أحلى عروسين في الدنيا!”.بقلم منال عباس تمت ❤️