خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج١

تطلعت إليه لثانية ثم خفضت عينيها وقالت بخفوت :
– إن شاء الله يافندم وشكرا لحضرتك

تنهد وقال في حزم :
– طيب تمام نتفق بقى على مبادئ شغلك والمرتب وكده

تم الاتفاق بينهم وتقرر أن تبدأ عملها من بداية الأسبوع التالي أي بعد ثلاثة أيام وفي نهاية المقابلة حياها السيد (جلال) و(أدهم) لازال يتطلع إليها باستغراب وكاد يقوم من مقعده ليصافحها أثناء مغادرته المكتب لكن والده أشار إليه من طرف خفي أن يجلس كما هو وقال (جلال) :
– دلوقتي هأكلم سهام برا عشان تاخد ملفك لقسم المحاسبة والمسئول عنه الأستاذ محفوظ هيساعدك ويفهمك طريقة شغلنا إزاي ويوفر لك مكتبك في القسم ولو في أي مشاكل قابلتك تقدري تتناقشي فيها مع الأستاذ محفوظ وهو هيبلغنا بيها

أومأت برأسها إيجابا وحيتهم شاكرة وخرجت من الغرفة في هدوء أما الوالد فاتجه للمكتب ورفع سماعة الهاتف الداخلي واتصل بسكرتيرته (سهام) ليبلغها المطلوب عمله ثم عاد وجلس على المقعد أمام المكتب وقال لابنه الصامت :
– هاي ياباشمهندس إنت رحت فين ؟

تطلع إليه (أدهم) لثوان كأنه لم يفهم ما قاله ثم انتبه فجأة وقال :
– ها !! ايه الست الغريبة دي ؟ أنا مش متعود ع المناظر دي الحقيقة

تنهد والده بملل قائلا :
– ايه مالها ياسيدي ؟ هو لازم الواحدة تبقى مالية وشها ألوان عشان تبقى عادية يعني ؟

رد (أدهم) بسرعة :
– لا مش قصدي الشكل بس يا بابا, حتى طريقتها في الكلام وهدوءها وكمية الخجل اللي كانت على وشها دي حتى مااتكلمتش في المرتب مع إني تعمدت أقول مرتب مش أوي وقبلت عادي جدا

تطلع إليه والده في دهشة وخشي من تفكيره بهذه الطريقة فقاطعه بسرعة :
– ايه يا أدهم إنت هتقول شعر دي مجرد موظفة واشتغلت وخلاص

رد (أدهم) بسرعة :
– أيوة يا بابا مأنا عارف أنا بس مستغرب

وصمت للحظة ثم استطرد متسائلا :
– صحيح يا بابا إن ليه ماخلتنيش أسلم عليها ؟ اوعي تكون معجب وغيران

وابتسم في خبث فقال والده وهو يهز رأسه بسبب استظراف ابنه وقال :
– لا يا فالح لأن واضح جدا من طريقة لبسها ووقوفها إنها مش بتسلم على رجالة فهمت ياعبقري!

اندهش (أدهم) للغاية وظهرت الدهشة واضحة على صوته وهو يتساءل :
– معقول ؟!

فقال والده محاولا إنهاء الموضوع :
– طيب نتكلم في الشغل بقى

تساءل (أدهم) بسرعة :
– لحظة يا بابا قبل الشغل, كنت عاوز أسألك مفيش أخبار عن آدم ؟ وحشني فعلا وباحاول كتير أكلمه على رقمه اللي معايا مفيش رد

تراجع (جلال) في مقعده وتنهد بحزن وقال :
– للأسف لا, أنا مش عارف أخوك بيعمل كده ليه وليه دايما بيبعد عننا لدرجة السفر والغربة بالشكل ده ولا حتى اتصال يعرفنا هو فين أو يطمنا عليه

ظهرت نظرة حزن في عيني (أدهم) وتنهد ثم قال باستسلام :
– نفسي يرجع بقى وأشوفه ويعيش معانا تاني, بقى لي كتير ماكلمتوش وحتى مش عارف شكله زي ماهو ولا اتغير !

رد والده بنبرة حزينة :
– يلا ربنا يسامح اللي كان السبب.
نظر له ابنه نظرة عتاب ولم يرد فهو يعلم أن أمه هي السبب في خروجه من منزل والده بعجرفتها وتعاملها المتعالي معه وفي النهاية اتهمته بسرقتها كأنه لص وليس ابن زوجها وأخو أولادها وكادت أن تبلغ الشرطة لكن والده منعها وحذرها من مجرد التفكير في الأمر و(أدهم) نفسه لم يكن ليصدق شيئا كهذا عن أخيه الأكبر الذي طالما اعتبره مثلا أعلى يقتدي به, كان دوما يشجعه على الدراسة والتفوق ونصحه كثيرا بالعمل أثناء الدراسة ليكتسب الخبرات اللازمة حتى في أثناء دراسته فمن وجهة نظره لاشيء أفضل من الخبرة العملية, بعد اتهام والدة (أدهم) له ترك المنزل بلا رجعة وحاول لقاءه بعدها كثيرا لكنه كان دوما يتهرب منه ثم بلغه بعدها نبأ سفره إلى كندا وهاهو غائب منذ ما يقرب 10 سنوات ولم يسمع عنه سوى مرة واحدة اتصل به فيها ليطمئن عليه وعلى شقيقته سارة ونتيجتها في الثانوية العامة .. أخرجه والده من شروده قائلا :
– أدهم يلا نشوف اللي ورانا وربنا يطمنا عليه قلبي حاسس إنه راجع قريب

التفت إليه (أدهم) بعينيه الحزينتين وحاول أن ينسى ويتابع عمله.

الفصل الرابع
_________

بعد خروج (جمانة) من الشركة اتجهت لسيارتها وجلست فيها أمام الشركة ثم أخرجت هاتفها لتتصل بشقيقتها لتطمئنها بعد ثوان من بدء الرنين سمعت صوت (لمياء) تقول في لهفة :
– جمانة !! طمنيني عليكي عملت إيه وخرجتي من الشركة ولا لسه ؟

ضحكت (جمانة) وردت على شقيقتها :
– طيب قولي السلام عليكم الأول

– السلام عليكم ياستي, ماتبقيش رخمة بقى وطمنيني

أخذت (جمانة) نفسا عميقا وقصت على شقيقتها كل ما حدث وأبلغتها أنها ستتسلم عملها بدءا من الأسبوع القادم, كانت (لمياء) سعيدة جدا وقالت لــ (جمانة) :
– أنا فرحانة أوي ياجوجو, ربنا يسعدك ياحبيبة قلبي وإن شاء الله تنبسطي في شغلك, تعالي بقى النهاردة وهاتي ماما وملوكة حبيبة خالتو عشان نتغدى سوا

ارتسمت ابتسامة سعيدة على شفتي (جمانة) وهي تقول :
– ربنا يخليكي ليا يا لولو وما يحرمنيش منك أبدا, مش هينفع النهاردة بقى خليها يوم تاني بإذن الله؛ عشان يمكن بالليل أروح لماما راضية أطمن عليها وتشوف ملك وأقولها على موضوع الشغل

ردت شقيقتها :
– ماشي ياحبيبتي ابقي سلمي عليها كتير وقولي لها خلينا نشوفها

(جمانة) :
– إن شاء الله يالولو , يلا سلام بقى

وأنهت المكالمة وقادت سيارتها عائدة لمنزلها, أبلغت والدتها بنتيجة المقابلة وموعد تسلمها العمل ثم قامتا بتحضير الغذاء سويا وجلس ثلاثتهن يتناولون طعامهم و(جمانة) ربما لأول مرة منذ فترة طويلة تعتني بطفلتها (ملك) بهذا الشكل وكانت الوالدة في منتهى سعادتها لرؤيتها صغيرتها (جمانة) تتحرر من بوتقة الحزن التي حبست نفسها فيها لمدة طويلة, بعد الغذاء عرضت (جمانة) على والدتها أن تذهب معها لوالدة (حسام) لكنها أخبرتها بأن متعبة قليلا وتريد أن تستريح مما أثار قلق (جمانة) وقررت تأجيل الزيارة لكن والدتها طمأنتها أنها فقط مرهقة وتحتاج لبعض النوم وحملتها سلاما لوالدة زوجها.
استعدت (جمانة) للذهاب وجهزت صغيرتها (ملك) التي كانت تتقافز فرحا كونها أولا ستخرج مع والدتها وهذا قليلا ما يحدث وأيضا ستزور جدتها وهو أيضا قليل
مرت (جمانة) على أحد محلات الهدايا لتشتري هدية لوالدة (حسام) ثم أكملت طريقها حتى وصلت للمنزل, فتحت (راضية) الباب لتجد قرة العين (ملك) والحبيبة (جمانة) فابتسمت وأفسحت الطريقة وهي تنخفض لمستوى الصغيرة وتفتح ذراعيها لتندفع بينهما (ملك) وهي تقبلها وتحتضنها بشوق وتقول :
– ملوكة حبيبة تيتة وحشتيني, ينفع كده كل ده ما أشوفكيش

ثم بدون أن تقف وهي مازالت محتضنة الصغيرة تطلعت ل(جمانة) بنظرة معاتبة :
– كل ده ياجمانة هانت عليكي ماما راضية ؟

خفضت (جمانة) عينيها وهي تقول بأسف :
– معلش يا ماما راضية إنت عارفة ظروفي وعارفة احساسي عامل إزاي أنا تقريبا حتى ماكنتش بأشوف ملك إلا وقت الأكل

وبدأت الدموع تتجمع في عينيها وقالت آخر كلماتها بصوت مخنوق فوقفت (راضية) وضمتها لصدرها وربتت على كتفها في حنان وقالت :
– خلاص ياجوجو بلاش بكا عشان ماافتحش قصادك أنتو جايين تقعدوا معايا شوية مش عاوزين نفضل نعيط بقى, تعالي يلا أنا عملت لك البسبوسة اللي بتحبيها

دخلتا لغرفة الجلوس وجلستا تتحادثان قليلا و(ملك) بين ذراعي جدتها وقد بدأت في التململ فابتسمت الجدة وقبلتها وسألتها :
– ملوكة نفسها تلعب مش كده ؟

أومأت الصغيرة برأسها في سعادة فقالت الجدة :
– طيب تعالي شوفي بقى تيتة راضية جابت لك إيه

ودخلت إحدى الغرف وعادت محملة بعلبة كبيرة وجلست بجوار الصغيرة على الأرض التي بدت عليها السعادة وقالت :

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *