خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج١
تطلعت إليه بغيظ ثم ابتسمت بلطف وهي تغوص في عمق عينيه السوداوين فابتسم هو الآخر ونهض عن الكرسي واقترب منها قائلا :
– ايه مش هنصلي .. يلا بقى عشان أنا كده كتير علي
نظرت إليه باستغراب وتساءلت :
– هو ايه اللي كتير ؟
رد عليها بهدوء :
– هاقولك بعد ما نصلي وابتسم
فرشت سجادتين وتوجها إلى القبلة يؤمها حبيبها وزوجها كبر ودخل فالصلاة فتبعته وبدأ بقراءة الفاتحة وماتيسر وهي تستمع له .. لم تكن تعلم أن صوته رائع هكذا في قراءة القرآن بخشوع وتدبر وتجويد .. تلاوته كانت رائعة جعلتها تنصت له وكأنها تسمع الآيات لأول مرة
أنهيا صلاتهما ووضع كفه على جبينها ودعا ( اللهم إني اسألك من خيرها وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه )
ابتسمت له قائلة :
– ماكنتش أعرف إن صوتك حلو أوي في القراءة كده ..
بادلها ابتسامتها وقال :
– الحمد لله .. أنا درست تجويد مخصوص عشان كنت عاوز أقرأ قرآن صح يمكن ماوصلتش فيه لمرحلة متقدمة بس الحمد لله ولسه باتعلم
أومأت برأسها وصمتت فابتسم مدركا لخجلها ومخاوفها وقال مداعبا :
– مش هتقلعي الاسدال بقى وتيجي نتعشى
احمرت وجنتاها بشدة وقالت :
– هاتعشى وانا لابساه اصلي بردانة
داعبها وهو يغيظها :
– ماتقلقيش لو لقيتي نفسك بردانة هادفيك
ابتسمت بخجل مرة أخرى ولم تتحرك من مكانها فقام واقفا ثم جذبها إليه وربت على وجنتها برفق فطأطأت رأسها وبدأ بفك إسدالها ببطء وأنزله عن كتفيها
ثم ابتسم ابتسامة مشاغبة وقال مداعبا :
– ماانت محجبة تحته اهو امال برد ايه اللي بتحكي عليه
ضحكت بخفوت وخجل فرفع وجهها إليه ونظر في عينيها الخجلى وظل صامتا .. طال صمته فأسبلت جفنيها وحاولت إفلات وجهها من بين يديه فلم يتركها ولم يتكلم .. رفعت عينيها إليه مرة أخرى فوجدته مبتسما فابتسمت هي الأخرى ثم همس مقربا شفتيه من أذنيها :
– أنا بأقول مش مهم عشا ولا ايه رأيك يالؤلؤتي ؟
أغمضت عينيها واحمر وجهها خجلا في صمت فقال ثانية :
– طيب السكوت علامة الرضا
ثم جذبها بين ذراعيه فاستكانت على صدره وهي تشعر بالطمأنينة والأمان ..
________________________
ارتفعت صرخات (جمانة) عالية وهي تتأوه في ألم وتغمض عينيها ودموعها تنهار وهي تصرخ :
– يارب .. يارب .. يارب ..
أمسك (حسام) بيدها وضمها لصدره ومسح جبينها الذي بلله العرق وهو يدعو في سره ويملأه التوتر ثم قال لها :
– معلش يا حبيبتي اجمدي هانت أهي الدكتورة جاية حالا هما بس بيجهزوا غرفة العمليات
بكت بشدة وهي تأن ثم قالت بأنفاس متقطعة :
– مش قادرة ياحسام حاسة إني بأمو,ت أنا إيه اللي خلاني أتجوز وأخلف بس آآآآآآآآآآآآآآآآآه
لم يتمالك (حسام) نفسه وابتسم لها قائلا بمشاغبة :
– أنا طبعا .. الحب بقى وسنينه وعذابه ههههه
نظرت له بغيظ ثم قالت من بين أسنانها :
– أيوة ماانت مش تعبان في حاجة
ضحك ثم همس في أذنها :
– على فكرة بقى أنا تعبان أكتر منك .. قلبي مش مستحمل يشوفك بتتألمي ولو ألم بسيط فما بالك بقى بولادة .. يرضيكي قلبي يتعب كده .. هنعمل ايه بقى بيحبك وبيمو,ت فيك ومالوش دوا
ثم قبل يدها التي يمسك بها
ابتسمت هي في ألم وحب ثم فجأة ارتفعت صرخاتها مرة أخرى …
**************
أفاقت ( جمانة ) ببطء وحاولت فتح عينيها لكن شعرت بثقل في رأسها وجفنيها فحاولت الكلام وكان كل ما صدر منها همهمة خافتة فنهض (حسام) بسرعة من مقعده واقترب منها وتحسس جبهتها برفق وناداها :
– جمانة حبيبتي صحيتي ؟؟ سامعاني ؟
سمعت صوته فحاولت فتح عينيها مرة أخرى ونجحت هذه المرة فباغتها الضوء فضيقت جفنيها لتراه يحني رأسه فوقها وينظر لها بحب وقلق فقالت بصوت خافت :
– أنا الحمد لله كويسة فين البيبي ؟ ماشفتوش
ابتسم ( حسام ) وقال :
– أنا عارف من كتر الانهاك رحت في شبه غيبوبة والدكتورة قالت نسيبك ترتاحي .. ماتقلقيش (ملك) بخير
ابتسمت ورددت :
– (ملك) ؟!
أومأ برأسه ونظر لها قائلا :
– أيوة .. بس للأسف مش هتلاقي اللي يتجوزها في يوم من الأيام
فتحت عينيها على اتساعهما وقد باغتها ما قال وشعرت بانقباض في قلبها وهتفت في ضعف :
– ايه ؟؟ ليه مالها ؟
ابتسم في خبث وقال :
– لا أبدا .. بس بيقولوا نسخة مني
وانطلق يضحك وهي تنظر له بغيظ ثم ابتسمت وقالت :
– دي على كده قمر والعرسان هيقفوا على باب البيت من بكرة
وضحكا سويا ثم أمسك كفها وطبع عليها قبلة حانية وضمها لصدره وهو ينظر لعينيها بكل حب
الفصل الثانى
_______
جلست ( جمانة ) في صمت تتأمل سقف حجرتها وتتلألأ دمعة في عينيها .. سمعت طريقة خفيفة على الباب فقالت بخفوت وهي تمسح دموعها بكفيها كطفلة صغيرة :
– ادخل !!
دخلت شقيقتها ( لمياء ) بهدوء إلى الغرفة وتطلعت إليها بصمت فابتسمت ( جمانة ) وقالت لشقيقتها :
– إزيك يالميا فينك من زمان مش بتيجي ليه
ثم قامت لها لتقبل وجنتيها برقة وسحبتها لتجلسها بجوارها على السرير ثم قالت :
– ايه مال الجميل ساكت ليه يعني جاية تشوفيني عشان تفضلي ساكتة ؟؟
ابتسمت ( لمياء ) بحزن وقالت لها :
– جوجو ليه بتعملي كده ؟
استغربت ( جمانة ) وتساءلت :
– بأعمل ايه يالميا ؟
نظرت لها شقيقتها بعمق وقالت باستهجان :
– على طول قاعدة لوحدك ياماسكة كتاب يانايمة حتى ( ملك ) معظم وقتها مقضياه مع ماما .. جمانة حرام عليك اللي بتعمليه في نفسك وفي بنتك ده .. هي ذنبها ايه طيب تبعديها عنك كده ؟
دمعت عينا ( جمانة ) مرة أخرى وحاولت النطق لكن لم تخرج منها حروف مرتبة فصمتت وارتفع صوت بكائها .. ضمتها شقيقتها لصدرها بسرعة وهي تربت على كتفيها وتمسح على شعرها برفق ثم قالت :
– حبيبتي انا مش عاوزة ازعلك والله انا زعلانة عليك .. انت اختي ياجوجو اختي الصغيرة حبيبة قلبي .. جايز فرق السن بينا مش كبير للدرجة لكن كافي إني أحس انك بنتي وانك مسئولة مني
استمرت ( جمانة ) في البكاء بصمت و إن خفتت حدة بكائها فمسحت ( لمياء ) بكفها على شعرها مرة أخرى وتعوذت من الشيطان وابتسمت وهي تبعد شقيقتها عن صدرها وتنظر لها ثم تمسح دموعها بأصابعها و تهمس :
– جوجو .. تفتكري هو سعيد باللي انت بتعمليه في نفسك وفي بنته دلوقتي ؟ فرحيه طيب ..
ارتفعت حدة بكاء ( جمانة ) مرة أخرى وهي تقولي بصوت باكي :
– مش قادرة يا لميا .. حاولت كتير ومش قادرة .. كل همسة .. كل نفس .. كل مللي في حياتي بيفكرني بيه .. بيفكرني بحبي له وحبه لي بيفكرني بالسعادة اللي اتحرمت منها فجأة وأنا لسه مالحقتش احس بيها .. مش قادرة
ورمت بنفسها فوق وسادتها تبكي بصوت عال وتعانق دموعها الوسادة .. أخذت ( لمياء ) نفسا عميقا تحاول به حبس دموعها وجذبت شقيقتها لحضنها مرة أخرى وهي تربت على رأسها برفق وتقرأ بعض آيات القرآن حتى هدأت ( جمانة ) .
بعد دقائق قليلة أبعدت ( جمانة ) نفسها من بين ذراعي شقيقتها ومسحت دموعها بمنديل وقالت لها :
– معلش يا لميا عارفة انك لما بتيجي لي هنا بانكد عليكي .. نفسي فعلا اخرج من اللي انا فيه بس كل حاجة صعبة تخيلي كل ماتلفي يمين تشوفي ابتسامته .. تروحي شمال تسمعي ضحكته .. تنامي تلاقيه في أحلامك وتتخيلي نفسك في أمان حضنه .. تعبت يا لميا تعبت وملك كمان كل ماابص لها اشوفه .. شفتي شبهه ازاي يا لميا كل تفصيلة في ملامحها نسخة منه
ابتسمت ( لمياء ) بحزن ثم قالت :
– ايوة كويس انك عارفة انك منكدة علي على طول
ثم صمتت للحظة بعدها تابعت قائلة :
– مش يمكن ربنا عوضك بيها .. هي جزء منه وكمان شبهه .. تعويض عشان تقدري تصبري وتعيشي وتدعي له دايما .. صدقيني ياجمانة انت ما تعرفيش الخير فين وماتعرفيش لو كنتوا مع بعض دلوقتي كنتوا هتبقوا عاملين ازاي .. ثقي دايما إن ربنا اختار لك الصح واللي فيه خير ليكي لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع حبيبتي صح .. يبقى نعيش واقعنا بحلوه وبمره ونتقبل كل لحظاته لأن ده هو الخير وهو قدر ربنا لينا حتى لو تعبنا منه أو كان صعب علينا لكن يفضل هو الخير اتأكدي من ده
أومأت ( جمانة ) برأسها في صمت وقلبها تغلفه كلمات أختها بحنان ورفق فابتسمت ( لمياء ) وقالت :
-أمال ملوكة فين وحشت خالتو العفريتة دي
ضحكت ( جمانة ) بخفوت وتنهدت قائلة :
– مع ماما طبعا .. ماما تعبت معايا أوي يا لميا ما تاخديها تقعد عندك كم يوم تغير جو وتريح نفسها واعصابها شوية
ابتسمت ( لمياء ) وتساءلت بخبث :
– تريح اعصابها .. اعترفي عاوزة تعملي مصيبة وعاوزاني اخدها ها
عادت (جمانة) للضحك ثم تنهدت وقالت لأختها :
– أنا مبسوطة أوي أنك جيتي النهاردة يالميا .. بجد كنت محتاجة أشوف حد
ابتسمت (لمياء) بحنان وقالت :
– ياحبيبة قلبي طيب ليه مش بتخرجي أو تكلمي نورا .. على فكرة اتصلت بي أكتر من مرة تسألني عليكي وعلى موبايلك المقفول على طول ده , نورا أعز أصحابك إن ماكانتش الوحيدة ياجوجو ليه مش بتخرجوا سوا تغيري جو وخدي ملوكة معاكي أهي تلعب مع ابنها شوية
تنهدت ( جمانة ) وفكرت لثوان ثم اعتدلت في مجلسها قائلة :
– خلاص أنا هأكلمها وأتفق معاها وأشوف .. وحشتني والله كتير جدا بس هأعمل ايه بقى
احتفظت (لمياء) بابتسامتها وهي تقول :
– خلاص تمام .. كلميها دلوقتي أو النهاردة بالكتير ماتتأخريش لأنها قلقانة عليكي جدا وماتنسيش تاخدي ملوكة بقى ها
أومأت (جمانة) برأسها موافقة وقالت :
– طيب أوك .. بس ماقلتليش إنت جاية النهاردة زيارة عادية ولا الموضوع فيه إن ..؟
اعتدلت (لمياء) مواجهة شقيقتها ثم تكلمت بجدية :
– الحقيقة .. الموضوع فيه إن ولعل وكأن وكل حاجة .. ثم ابتسمت وهي تستطرد :
– أنا جبت لك شغل
ثم صمتت تنتظر رد فعل شقيقتها وتنظر إليها باهتمام .. علت الدهشة وجه (جمانة) لثوان ثم مطت شفتيها وقالت ببطء:
– ليه يا لميا ؟؟ ايه خلاكي تفكري إني عاوزة أشتغل وبعدين مين هيرضى يشغلني بالمؤهل بس من غير خبرة
قالت (لمياء) :
– من الناحية دي ماتقلقيش حبيبتي أنت أوك من غير خبرة بس دراستك وشهاداتك كفاية .. لغة وكمبيوتر وخبرة مش بطالة في التصميم غير دراستك للإدارة بجانب المحاسبة ودبلومة في الاقتصاد يعني كلها حوافز تخلي اللي يشوف السي في يعمل لك المقابلة .. وبالنسبة بقى لموضوع ليه جبت لك شغل فالسبب واضح وواحد لازم تخرجي من اللي انت فيه تشوفي الناس وتغيري جو وتنشغلي بأي حاجة وتطلعي من المود بتاعك وانطوائك ده
اغرورقت عينا (جمانة) بالدموع وعضت شفتيها في ألم فربتت (لمياء) على كتفها وهي تقول :
– لا لا لا جوجو احنا ماصدقنا أنا بأقول أعمل حاجة تشغلك وتبقي كويسة تقومي ترجعي تعيطي تاني عاوزة تزعليني ؟



