رواية خارج أسوار القلب (الجزء الأخير) بقلم صابرين الديب
فتحت عينيها برفق وظلت تتحرك ببؤبؤيها في كل الاتجاهات حتى لا تستقر في عينيه, هتف بها :
– جمانة !!
كان اسمها من بين شفتيه غريبا فاتنا كأنها تسمعه لأول مرة, انصاعت لأمره ونظرت إليه, ابتسم لها, كانت ابتسامته مطمئنة حنون, أما عينيه فكانتا تقولان عكس ماتقوله ابتسامته, قرأت فيهما الكثير مما أثار خجلها أكثر وكادت تحترق بين يديه, سألها :
– عينيا بتقولك ايه ؟؟
ازداد اضطرابها وعلت الحمرة خديها أكثر وشعر بها ترتعش , ابتسم وداعبها قائلا :
– أيوووووة بالظبط زي مافهمتي كده, قلتي ايه ؟
أغمضت عينيها مرة أخرى وهمست بدلال :
– هو اللي في عينيك ينفع تاخد فيه رأي ؟
أراد استفزازها أكثر ونبض قلبه يشتد حتى شعر أن نبضاته ستخترق مخه, قال :
– يعني جرين لايت .
لم تقل شيئا بل استكانت على صدره فقط, لينهل منها ماشاء, تذكر أمرا فعاد يقول :
– كلمي لميا قولي لها تخلي ملك هناك النهاردة .
أومأت برأسها إيجابا في صمت وهي تنكمش أكثر بين ذراعيه كطفلة حتى شعر بها تكاد تخترق جلده وتسكن بين خلاياه ملكة على شرايينه وأوردته .
____________________________________
في صباح اليوم التالي شعرت بشفتيه تلثم جبينها في قبلة حانية وبلمسة يده أشد حنوا وهي تزيح خصلة من شعرها عن وجنتها وتربت عليها برفق, كانت كسولة فتقلبت في الفراش وأعطته ظهرها وهي تكمل نومها, ابتسم بعطف وحب وهو يتطلع إليها ثم طبع قبلة أخرى على شعرها وهو يتساءل في نفسه, كيف لرجل مثلي لم يفكر في امرأة من قبل أو حتى يرى أيهن كأنثى تحركه أن يُدّله بالحب هكذا! هل احتفظ بذلك الجنون العاصف بداخله الآن من أجلها فقط ؟ ولم يتردد في الإجابة عن ذلك السؤال, نعم كانت مشاعره تنتظرها, في شوق للقائها, وحدها تستحق, فلم يهمها إلى متى قد يطول الانتظار, مادام في النهاية ستكون الثمرة هي قربها, هي قلبها, هي نفسها, ذلك الجنون أحاط نفسه بأسلاك شائكة وأسوار عالية مكهربة وبوابات صلبة مغلقة بأقفال محكمة عليها حراسة مشددة من أجلها فقط, ولكم كانت تستحق, كم هي رقيقة, حنون, ضعيفة وقوية, مستكينة خاضعة وشرسة, تلك التي تجمع متناقضات الجنون تستحق جنونه, تستحق عشقه ومفتاح قلبه الذي استقر بين يديها من أول لحظة وإن لم يعترف بذلك خوفا أو قلقا أو حتى هربا ومكابرة .
تقلبت مرة أخرى ثم فتحت عينيها بكسل لتجده يتطلع إليها وكل خلية فيه تصرخ عشقا, تساءلت أمن الممكن أن يظهر العشق على أحدهم بهذا الشكل! شعرت بالخجل يغزوها وبسخونة حمرته تعلو وجنتيها فأغمضت عينيها لثوان أخرى, قبل جفنيها المغلقين وهو يهمس :
– هتنامي تاني ؟
فتحت عينيها مرة أخرى وردت بخجل :
– لا
قال بحب يغمر حروفه :
– صباح الخير يا أحلى عروسة في الدنيا.
ضحكت بخفوت ممتزج بالخجل وقالت :
– عروسة ؟ متجوزين من أكتر من شهر وعروسة ؟
مال برأسه جانبا وهو يتطلع إليها ومازال العشق يملأ كل خلجة من ملامحه وهمس مرة أخرى :
– أيوة عروسة, عن نفسي لسه متجوز إمبارح بس.
ردت تداعبه :
– والشهر والكم يوم اللي فاتوا كانو ايه ؟
هز كتفيه وهو يقترب منها :
– اممممم , خطوبة.
وابتسم وفي عينيه نظرة خبيثة, فهمتها على الفور لكنها إدعت العكس ولفت وجهها الناحية الأخرى وهي تغمغم في خجل :
– طيب.
ازداد صوته عمقا وظهرت به نبرة خشنة محببة وهو لازال يهمس :
– طيب ايه ؟ بصي لي وإنت بتكلميني .
لفت وجهها ناحيته ورأت في عينيه الكثير, شعرت بقلبها ينبض بقوة وبدقاته تتسارع, استغربت ذلك من نفسها وسألت قلبها : لما تنبض هكذا؟ أهذا حب ؟ فرد بشكل قاطع : تخطيت مرحلة الحب بكثير, لا توجد كلمة في أبجديات العالم تصف ما أشعر بها تجاه هذا الرجل, تساءلت مرة أخرى : وماذا عن … لكن القلب الصغير قاطعها بحزم : لا تذكريه أمام رجلك الآن, شعرت بالغيظ من نفسها وقلبها, كيف لا تذكره؟ همس القلب : ليس من حقك أن تذكريه وأنا الآن ملك لغيره حتى وإن سكن في بقعة مني وفي ذاكرتك, أنا الآن لست لك.
كان يتطلع إليها بصمت وتلك الحيرة المرتسمة على ملامحها, فهم على الفور ما تعانيه فأمسك كفيها ورفعهما لشفتيه مقبلا واحدا تلو الآخر وقال :
– تعرفي ! كنت لسه باسأل نفسي أنا إزاي بحبك كده ؟ وايه كلمة حب دي قدام اللي جوايا دلوقتي, وسألتها من امتى حسيت الاحساس ده ؟ ماكنتش عاوز أعترف إن من أول لحظة, حسيت فيكي بحاجة مختلفة, حاجة شدتني ولأول مرة تلفت انتباهي لأي بنت, طنشت كتير وكبرت وجادلت نفسي, لحد مافي لحظة ماكنش قدامي غير الاعتراف, خلاص كل الطرق اتقفلت في وشي وباقي بس طريقي اللي لازم أحفره لقلبك وأكسر كل الموانع والعقبات وأهد السور اللي حابسة نفسك جواه, وحابساني انا برا منه, وماتعرفيش احساسي كان عامل إزاي لما لقيت نقطة ممكن أعبر منها السور الخارجي وأدخل بيها حياتك, ماترددتش دخلت منها فورا وكان باقي لي السور الداخلي وبوابته الضخمة, كان حاجز صعب لكن كنت واثق إن اللي جوايا لازم هيوصلك في وقت من الأوقات, اللي جوايا مش سهل ولا بسيط ولاعادي, اللي جوايا كتير أوي وكبير أوي ولازم هتحسيه وده اللي حصل.
