جبر السلسبيل بقلم نسمة مالك ج٢ الثاني
“عبد الجبار”..
كان يضع الهاتف على أذنه أثناء قيادته، يسابق الزمن و الرياح حتى يصل إلى ابنتيه اللتان يصرخان بأسمه صرخات تشق قلبه شقًا، و أخيرًا وصل أمام باب منزله المغلق، ليقتحمه على الفور كسر الباب بأكمله، ليتأهب جميع الحرس رافعين سلاحهم تجاهه، إلا أنهم اخفضوا سريعًا حين لمحوه هو..
اندفع خارج السيارة راكضًا لداخل المنزل بعدما خطف سلاح ناري من يد إحدي الواقفين..
“فااااطمة.. يا أمه.. يا حيااااة”..
صدح بها بصوتٍ جوهري، لينصدم بوالدته تجلس في ردهة المنزل تتناول كوب من الشاي بتلذذ، و تطلع له ببرود قائلة..
“خير يا ولدي.. مالك چاي على ملا وشك ليه أكده؟!”..
دار بعينيه المذعورة في المكان من حوله مغمغمًا..
“بناتي و أمهم فين يا أمه؟! “..
” كانوا أهنة من هبابه.. هتلاقيهم فوق في أواضهم”..
ركض هو بأنفاس متقطعة على الدرج المؤدي للطابق الثاني، لتبتسم “بخيتة” بخبث، فقد رأت” حسان” و هو يدلف لداخل المنزل، و تركته حين استمعت لحديثه و أيقنت أنه أتى لإيذاء “خضرا”..
“يله خلص يا حسان على بت المركوب القديم و خلصنا منها”.. تمتمت بها بسرها، و ظلت مكانها تنتظر سماع الطلق الناري الذي بالتأكيد سيُصيب من تطيق العمى و لا تطيق وجودها..
“يا مُرحب بالكبير.. أني مستنيك من ياما”..
نطق بها “حسان” حين وقعت عينيه على “عبد الجبار” الذي صوب تجاهه السلاح، ليضغط” حسان” على رقبة أبنته” حياة”، و رمقه بنظرة محذرة أجبره على إلقاء سلاحه في الحال..
“همل حياة يا حسان.. البنتة الصغيرة ملهاش صالح بلي بيحصل بنتنا”..
تطلع له” حسان” بملامح كساها الحزن ، و تحدث بندم حقيقي قائلاً..
“أني عمري ما كنت هخونك يا كبير.. لولا الشيطانة اللي دخلت بنتنا. هي السبب يا كبير.. هي اللي فتحت باب الأذى من الأول”..
كان يتحدث و عينيه مثبته على” خضرا ” التي تحاوط أبنتها” فاطمة” بحماية، و تبكي بصمت، لقم سلاحه و وجهه نحوها و قد عماه انفعاله و قرر ينهي حياتها، شعرت بالغياب يحوم حولها فرفعت عينيها الغارقة بالدموع و نظرت ل” عبد الجبار” و همست بصعوبة بالغة..
” سامحني يا عبد الچبار.. سامحني يا خوي! آ ااه”..
قطعت حديثها و صرخت بعويل حين صدح صوت الطلق الناري..
………………………………………سبحان الله العظيم……
“سلسبيل”..
وصلت للتو إلى منزل “عبد الجبار” لتجد بابه مفتوح على مصراعيه و لا يوجد أي أحد من الأمن، خطت للداخل بخطي مرتجفة و أعين مترقبة، و قلب تسارعت دقاته حين لمحت “خضرا” تسير بخطي مريبة كما لو كانت تحولت لإنسان ألي،حامله بيدها شيء تخفيه خلف ظهرها حتى توقفت أمام مكتب “عبد الجبار” الموضوع عليه كأس من العصير، تطلعت حولها تتأكد من عدم وجود أحدًا، و للعجب لم ترى “سلسبيل” التي تتابعها بأعين جاحظة، و قامت بإظهار زجاجة صغيرة، سكبت منها القليل على كأس العصير و اخفتها من جديد..
تفاجأت “سلسبيل” ب “عبد الجبار” حين لف بالمقعد الجلدي الموضوع خلف المكتب، مد يده و أخذ كأس العصير و تناوله دفعة واحدة بصمت..
رأت الكأس سقط أرضًا من بين أصابع يده، تهشم و تناثرت القطع الزجاجية بالمكان، تطلعت لزوجها بأعين متسعة، مذعورة لتجد وجهه شاحب للغاية يظهر عليه الإزعاج الشديد،
إزعاج لم يستطيع تحمله، جعل عينيه زائغه، و جسده يترنجح بوضوح كلما حاول النهوض حتى أوشك على السقوط من فوق مقعده، هنا صرخت بأسمه نداء مدوية هزت القلوب و جدران المنزل معًا، هرولت تجاهه راكضه بخطي مرتجفة متعثرة ..
“عبد الجباااااااار….”..
كان صراخها بإسمه أخر شيء استمع إليه من بين شفتيها قبل أن يغلق عينيه و يغيب عن الوعي أو ربما عن الحياة بأكملها..
“سلسبيل أصحى يا بنتي.. فوقي يا حبيبتي”..
هكذا أيقظتها “عفاف” بعدما غرقت في نومًا متعب بعد جملة “محدش مرهق غيري” أجهشت بعدها في وصلة بكاء دامت لوقتٍ طويل ، لتفتح “سلسبيل” عينيها بذعر و لم تتوقف عن الصراخ بأسم من ينبض قلبها بأسمه..
” عبد الجباااار.. عبد الجبار يا ماما عفاف.. حصله حاجة.. في حاجة.. وديني عنده يا ماما عفاف أبوس إيدك”..
كانت “عفاف” يظهر عليها القلق و الحزن الشديد، و عينيها حمراء و منتفخة للغاية،لكنها تحدثت بهدوء عكس هيئتها..
“طيب بطلي صريخ يا سلسبيل و قومي غيري هدومك و أنا هوديكي عنده”..
نهضت” سلسبيل ” من الفراش بجسد يرتعش بوضوح، و صرخاتها أصبحت غير إراديه لا تستطيع السيطرة عليها تصرخ بلا توقف مرددة بقلب ملتاع..
“عبد الجباااار فيك أيه يا قلب و روح سلسبيل”..
………………………….. لا إله إلا الله وحده لا أذىيك له………..

