جبر السلسبيل بقلم نسمة مالك ج٢ الثاني
تقف كل ليلة في شرفة غرفتها تطلع على باب المنزل الخارجي تنتظر طلته على أحر من الجمر، على يقين أنه سيأتي إليها و هي ستظل دائمًا فى إنتظاره خاصةً الليلة سيأتي لا محالة فاليوم فرح “جابر” و بالتأكيد لن يتركها تذهب بمفردها ..
“سلسبيل أنتي لسه وقفة مكانك.. ملبستيش؟!”..
أردفت بها “عفاف” التي دخلت للتو حاملة الصغيران على كلتا يدها..
تنهدت “سلسبيل” بحزن و هي تقول..
“مستنية عبد الجبار يا ماما.. هو أكيد هيجي عشان نروح الفرح سوا”..
أشارت بعينيها على الفراش الموضوع عليه بدلة سوداء كاملة و فستان في غاية الجمال و الرقي من اللون الكاشمير بلون رابطة عنق البدلة..
“أنا جهزت له البدلة و مستنياه عشان ألبـ,ـسه بأيدي”..
ظهر الأسف على وجهه” عفاف” و هي تقول..
” سلسبيل يا حبيبتي ألبسي يله على ما أبلغ السواق يجهز عشان يوصلك لأن عبد الجبار بيه مش هيجي”..
تطلعت لها “سلسبيل” بتساؤل تحثها على استـ,ـكمال حديثها، فتابعت “عفاف” قائلة..
” لأنه راح الصعيد يجيب خضرا “..
انتفض قلب “سلسبيل” انتفاضة قوية، و تجمعت العبرات بعينيها و هي تقول بهمس متحشرج بالبـ,ـكاء..
” هو قالك أنه رايح يجيبها يا ماما عفاف؟!”..
“اه يا حبيبتي قالى البنات محتاجين أمهم رغم زعلهم منها.. بالذات فاطمة بنته الكبيرة تعبت إمبارح و بقت تعـ,ـيط من كتر التعب و هو بقي هيتـ,ـجنن و يسألها أيه اللي تعبها تعيط و مش راضية ترد على سؤاله و كل اللي عليها تقول عايزة أمي..جبلها دكتورة و كشفت عليها لقيتها تعبانة من البيريوت.. اتريها بلغت و مكـ,ـسوفة تقول لأبوها و حتي مكسvوفة مني أنا كمان.. وقتها قرر أنه هيسافر يجيب أمهم و فعلاً مشي قبل ما الشمس تطلع”..
هبطت دموع” سلسبيل ” على وجنتيها ببطء مرددة..
” و تفتكري هي هتوافق ترجع معاه بعد اللي حصلها؟! “..
أطبقت جفنيها وهي تتذكر أخر لقاء جمعها ب” خضرا”..
.. فلاش باااااااااااك..
تجلس على الفراش ضامة صغارها بين ذراعيها بحنان العالم أجمع،غالقة عينيها التي تنهمر منها العبرات بدون أدنى إرادة منها بسبب قوة المشاعر الجياشة التي تعيشها، تستنشق عبيرهما بلهفة و فرحة غامرة لم تشعر بها من قبل تغلف قلبها و روحها ..
بينما تقف “صفا” بجوارها “عفاف” محتـ,ـضنة “فاطمة، حياة” يتابعونها بابتسامة و أعين دامعة من شدة تأثرهم..
كانت منفصلة عن الدنيا معاهما حتى أستمعت صوت طرقات ضعيفة على باب الغرفة، فتحت عينيها بصـ,ـدمة حين قالت “فاطمة” بصوتٍ هامس مذعور..
“محدش يفتح دي أكيد أمه خضرا”..
نظرت “عفاف” ل “سلسبيل ” نظرة أسف يملؤها الشفقة فتفهمت “سلسبيل” علي الفور ما يدور حولها، و سبب الذعر الظاهر على ملامح الفتاتين..
ربتت “عفاف” على ظهرهما مرددة بنبرتها الحنونة..
“متخفوش يا حبايبي” ..
فتحت “صفا” الباب، فدلفت منه” خضرا ” بخطي بطيئة، تدور في المكان بعينيها الزائغة تبحث عن بناتها، لترمقها “عفاف” نظرة عاتبة مكملة بثقة..
“مامتكم عمرها ما هتأذيكم تاني أبدًا “..
ليجهشان بنوبة بكاء حاد و هما يدفنان وجهها داخل حضن “عفاف” و يرتجفان بقوة مما دفعها لسحبهما سريعًا تجاه غرفة أخرى داخل الجناح،تابعتهما “خضرا” بقلب ينفطر على حالتهما التي تشق القلوب،عقابها هذا أقوى و أقسـ,ـى عقاب يمكن أن تتعرض له أي أم، توجهت بنظرها ل “سلسبيل” التي تبادلها النظرة بأخرى مترقبة..
ساد الصمت للحظات حتى قطعته “صفا” و سارت تجاه الغرفة المتواجدة بها “عفاف”..
“طيب أنا جنبك هنا يا سلسبيل..لو احتاجتي أي حاجة أهمسي بس هتلاقيني قدامك”..
“مبروك ما جالك يا خيتي.. يتربوا بحسك و في عز أبوهم إن شاء الله “..
أردفت بها “خضرا” بابتسامة باهتة، و هي تحاول السيطرة على عبراتها التي أغرقت وجنتيها، و استدارت على الفور تستعد للخروج..
” أستنى يا أبلة خضرا”.. قالتها” سلسبيل ” بصوتٍ مختنق بالبكاء، نظرت لها “خضرا ” مرة ثانية، لتحسها” سلسبيل ” على الأقتراب منها، و هي تمد لها الصغيران، تفاجأت من فعلتها هذه لكنها هرولت تجاهها بسعادة بالغة ظهرت على ملامحها الحزينة، و التقطت منها الصغيران معًا لصغر حجمهما تضمهما بلهفة لصدرها، و انفجرت بنوبة بكاء مرير حين قالت لها “سلسبيل” بابتسامة دافئة رغم الدموع العالقة بأهدابها..
“قولتيلي إن عبد الجبار فداكي بروحه و خد الرصاصة مكانك، و أنا واثقة إنك هتفدي ولاده بروحك و هيبقوا ولادك أنتي كمان زي ما فاطمة و حياة بعتبرهم بناتي”..
كانت “خضرا” تضم الصغيران و تقبلهما بحنان بالغ و هي تبـ,ـكي بكاء يُبكي الحجر لعلمها أن صوتها سيصل لابنتيها، تعبر لهما ببكائها هذا عن مدى ندمـ,ـها على خطأها في حقهما..




