جبر السلسبيل بقلم نسمة مالك ج٢ الثاني

لتتوقف فجأة عن البـ,ـكاء، و تنقلت بنظرها بين”سلسبيل ” و الصغيران بأعين متسعة على آخرها و هي تقول..
” سلسبيل”..
بعدت الصغيران بضعة أنشات عن صدرها و تابعت بذهول..
“صدري حن.. صدري حن لهم يا خيتي”..

كانت تتابعهما “عفاف” بنظرات مشتعلة بالغضب، لكنها بقت صامتة إلى أن تفوهت “خضرا” بجملتها الأخيرة، فهرولت مسرعة تجاههم و قامت بأخذ الصغيران من “خضرا” مغمغمًا بلهجة حادة..
“مش هينفع يا مدام خضرا.. عبد الجبار بيه كان عارف إن ده هيحصل و ده اللي سلسبيل هتعمله و اللي انتي كمان هتعمليه عشان كده أكد عليا محدش ليه علاقة بالولاد غير أمهم و بس.. و قالي أبلغكم كل واحدة تخليها في نفسها و في عيالها و ملهاش دعوة بالتانية نهائي”..

“عيالي!! و هما فين عيالي؟! “.. غمغمت بها” خضرا ” بغصة يملؤها الآسي، و هي تطلع نحو بناتها المختبئتان منها داخل حضن” صفا “، شعرت أنها منبوذة من الجميع، و أولهم أبو بناتها الذي لم يطلب رؤيتها حتى الآن..

” أنتي عملتي الواجب و باركتي لسلسبيل تقدري تتفضلي دلوقتي من غير مطرود”..
قالتها” عفاف” و هي تضع الصغيران من يدها داخل حضن والدتهما التي تطلع لها مشدوهة من طريقة حديثها الجديدة مع “خضرا”، لتزفر “عفاف” بضيق مرددة..
“دي أوامر عبد الجبار بيه مش كلامي أنا يا سلسبيل”..

تنقلت” خضرا “بعينيها بين الجميع، و من ثم غادرت بصمت دون التفوه بكلمة واحدة، لم تغادر الغرفة فقط، بل غادرت المستشفى بأكملها عائدة للصعيد مسقط رأسها.

.. نهاية الفلاش باااااااااااك..

فاقت “سلسبيل” من شرودها على صوت” عفاف” تتحدث بحنو قائلة..
” متشغليش بالك بغيرك يا سلسبيل.. اعملى زي ما جوزك قالك فكري في نفسك و في ولادك دول أهم حاجة عندك دلوقتي.. و يله يا بنتي البسي عشان الوقت بيجري و أنتي لسه هتروحي المنصورة و ترجعي”..

تحركت “سلسبيل” من مكانها على مضض، اقتربت من” عفاف” و قـ,ـبلت صغارها مرات متتالية مدمدمة بحيرة..
” مش هاين عليا أسيبكم هنا.. عايزة اخدكم معايا و نرجع سوا”..

قالت” عفاف” بتعقل..
“المشوار هيبقي طويل على الولاد.. أنا هقعد بيهم هنا أفضل على ما تروحي أنتي و ترجعي”..

بدأت” سلسبيل” تبدل ثيابها خلف الزجاج العاتم لغرفة الملابس الخاصة بها مردفة بغصة مريرة..
” عارفة يا دادة أنا كنت بقول لنفسي لو رجع بيا الزمن مكنتش وافقت أبدًا أكون زوجة تانية.. و رغم أن جوازي من عبد الجبار كان هو الوسيلة الوحيدة اللي هتنجيني من أبويا إلا أني لو كنت استنيت شوية كنت قابلت جابر و ساعتها يمكن مكنتش اتجوزت عبد الجبار ولا كل اللي عشته ده حصل”..

ردت عليها ” عفاف ” بثقة قائلة.. ” حتى لو كنتي قابلتي جابر قبل ما تتجوزي عبد الجبار مكنتيش هتتجوزيه يا سلسبيل “..

خرجت” سلسبيل ” مرتدية فستانها الأكثر من رائع،و نظرت لها بابتسامة خجولة مردفة..
” ليه بتقولي كده؟ “..

” عشان أنتي وقعتي في حب عبد الجبار و قلبك اتعلق بيه و اختاره هو و الحب ملوش كبير و لا على القلب سلطان “..

” عندك حق يا ماما.. أنا مش بس حبيت عبد الجبار.. أنا عشقته و أختارته هو يبقي أبو ولادي لأنه في عيني أعظم أب و زوج في الدنيا”..

…………………… لا إله إلا الله……….

“عبد الجبار “..

يقف أمام” خضرا ” مصدومًا من هيئتها التي تغيرت للنقيض تمامًا، فقدت الكثير من الوزن في وقتٍ قياسي و هذا إن دل على شيء فيدل على شدة حزنها الذي يظهر بوضوح على ملامح وجهها المنطفئة،

تطلع له بأعين جاحظة، نظراتها زائغة وقد ظنت أنها تتوهم وجوده كعادتها، كانت ملامحه في بادئ الأمر جامدة، لكن داهمته ذكريات لن ينكر جمالها له معاها اهمهم بناته فلذات أكباده أجبرته على الإبتسامة وهو يقول..
“كيفك يا خضرا؟!”..

لم ترد عليه، بل قطعت المسافة بينه و بينها بخطوات متثاقلة حتى توقفت أمامه مباشرةً و رفعت يدها وضعت كفها على صدره بمكان تلك الطلقة التي أصابته تتأكد من وجوده..

تتحسس صدره بأصابعها، صعودًا للحيته، و وجهه مرددة بأنفاس متقطعة..
“عبد الچبار .. أنت أهنة صُح يا أخوي.. ولا أني بحلم بيك زي عوايدي”..

وضع راحة يده على يدها و هو يقول بصوته الأجش..
“لا يا خضرا.. مبتحلميش.. أني أهنة.. چاي لاچل ما أخدك و نعاود لدارنا “..

“يعني قلبك صفي من ناحيتي و سامحتني يا عبد الچبار”.. قالتها ببكاء و هي تستجديه بعينيها أن يضمها لصدره..

تنهد” عبد الجبار ” و هو يجيبها..
“لازم أسامحك يا أم فاطمة.. لأن الغلط طايل الكل و أني أولكم “..

حركت رأسها بالنفي و هي تقول..
” لا لا يا أخوي أنت مغلطش أنت عملت شرع ربنا.. اتچوزت على سنة الله ورسوله.. و كنت شاري خاطري و زعلي و بتعمل المستحيل لاچل ما ترضيني بس أني الغيرة عمتني عن كل ده و سودت قلبي..و بعد كل اللي حُصل مني چتلي لحد عندي اهنه لاچل ما تردني و تطيب خاطري اللي عمرك ما كسرته..
حقك عليا يا راچلي.. متزعلش مني أحب على يدك”..

قالتها و هي ترتمي على صدره و تجهش في نوبة بكاء حاد، ضمها هو له و ربت على ظهرها بكف يده مغمغمًا بفرحة ..
“متبكيش عاد أمُال.. و افرحي وياي ب فاطمة بنتنا اللي بقت عروسة “..

توقفت عن البكاء على الفور، و رفعت رأسها نظرت له بأعين يغرقها الدمع و ابتسامة تزين شفتيها المرتعشة مرددة بدهشة..
“وه.. فاطمة بتي بقت عروسة..قصدك أنها چاتها؟!”..

حرك رأسه لها بالإيجاب و هو يقول..
” و مريداش حد واصل غيرك أنتي.. مافيش على لسانها غير رايده أمي”..

“عشان أكده أنت چيت تاخدني؟!”..

مسح دموعها بأنامله و هو يقول..
“و ده سبب هين يا أم فاطمة.. بناتي أهم حاچة عندي.. أهم حتى من نفسي و من روحي و لخاطر هم و راحتهم أعمل كل حاچة و أي حاچة و لا أيه يا أم فاطمة”..

” عندك حق يا خوي.. قولك دايمًا بيبقي صُح يا عبد الچبار “..

أبتسم لها و هو يقول..
“طيب همي قوام خلينا نلحق معاد الطيارة “..

رفعت حاجبيها بتعجب مرددة بتساؤل..
” أول نوبة نسافر بالطيارة؟! “..

” عندي مشوار مهم مع سلسبيل مَراتي مينفعش اتأخر عنه”..
هكذا اجابها يؤكد لها أن” سلسبيل ” مازالت زوجته مثلها و ستظل للأبد..

أبتسمت هي تلك المرة له و قد عادت ملامحها الحنونة لطبيعتها أخيرًا مردفة بتفهم..
“و ماله يا خوي..ربنا ميحرمناش منك واصل”..

………………………… سبحان الله وبحمده……..

.. داخل إحدي أفخم قاعات الأفراح بمحافظة المنصورة، يُقام فرح أسطوري ل “صفا” صاحبة القدم الصناعية التي عاشت أصعب شعور ممكن أن تحياها فتاه في عمرها الذي لم يتجاوز العشرون عام،

ليحين وقت الجبر و يرزقها الله برجل بكل ما تحمل الكلمة من معنى يعوضها عن كل ما مرت به في حياتها، يحتويها بين ذراعيه و يرقص بها رقصتهم الأولى على أنغام موسيقى هادئة تعزف على أوتار قلوب جميع الحضور الذين يتابعونهما بأعين هائمة،

“مبروك يا صفا.. مبروك يا أحلى عروسة شافتها عنيا”..
همس بها “جابر” داخل أذنها و هو يميل على وجنتيها و يخطف قبلة عميقة أشعلت حمرة الخجل بوجهها..

“الله يبارك لي فيك يا جابر”.. همست بها بستحياء و هي تطلع لعينيه بعينيها الفاتنة التي جعلت نبضات قلبه تتسارع تؤكد له أن ما كان يشعر به قبل سابق ما إلا وهم بأسم الحب، أما تلك الصفا قد علمته معنى الحب الحقيقي..

حملها “جابر” حتى لم تعد قدميها تلمس الأرض و بقي يرقص بها بفرحة غامرة تُشع من اعينهما، بينما “سلسبيل” الجالسة بجوار جدها شاردة الذهن لا تُفكر في أي شيء سوي زوجها،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *