جبر السلسبيل بقلم نسمة مالك ج٢ الثاني

“أني طلقت خضرا يا سلسبيل”..
قالها بغصة مريرة يملؤها الوجع، جملته هذه هزت كيانها كله، و أصابتها بذهول للحظات قليلة، رسمت بعدها الجمود على محياها و هي تقول بلامبالاة..
” انفصالك لأبلة خضرا ميخصنيش.. دي حياتك و أنت حر فيها”..

قطع المسافة بينه و بينها في خطوتان فقط، حتى توقف أمامها مباأذىةً المسافة بينهما لا تُذكر لكنهما لا يتلامسان..
“اتوحشتك قوي قوي يا حبة القلب”..
قالها و هو يرمقها بنظراته التي يشتعل بها نيران شوقه إليها..

أنهارت كل قوتها المزيفة بلمح البصر، توردت وجنتيها بحمرة الخجل، و نظرت له نظره يملؤها الحب مرددة بتنهيدة كالمغيبة..
“و أنت؟!”..
لم تُكمل حديثها، و كأنها أستعادة وعيها سريعًا..
“وأنت لا.. موحشتنيش خالص يا عبد الجبار “..

رفع حاجبيه معًا و تطلع لها بابتسامة عابثة، و من ثم رفع أكمام قميصه عن معصميه، و فتح أول أزراره ليظهر بداية صدره العريض أمام عينيها المُتيمة به، حينها تردد بقلبها سؤال واحد فقط..
كيف حال الدفء على صدره؟!..

شهقت بصوتٍ خفيض حين جثي فجأة على ركبتيه أرضًا أمامها، و جذبها بمقعدها عليه حاصرها بجسده، شعرت بمدى ضئلتها بين ذراعيه الضخمه،

لم يعطيها الفرصة حتى للاعتراض و مد يده حاوط بطنها الصغيرة بكفيه يتحسس حركة طفله بلهفة شديدة..
“من حجي أطمن على ولدي اللي في بطنك”..
قالها بابتسامة لعوب و هو يتفرس ملامحها بافتنان لا يخلو من الإشتياق..

تنحنحت “سلسبيل” كمحاولة منها لإيجاد صوتها، و رفعت يدها دفعته بكتفه تبعده عنها بشدة لكنه كالصخر لم يتزحزح من مكانه و لو أنش واحد، بل ألتصق بها أكثر..

” و أنت مين قالك إن اللي في بطني ولد أصلًا؟!”..

تطلع لها بفرحة غامرة حقيقية و هو يقول بتساءل..
“بنت؟ حامل في بنت يا سلسبيل؟”..

رمقته بنظرة يتطاير منها الأذىر و صاحت في وجهه بانفعال قائلة..
“و لا بنت”..

نظر لها بحاجب مرفوع، و مال بوجهه على وجهها حتى تلامست أنفهما مغمغمًا بحرارة..
” يعني لا واد و لا بت!! أمال حامل في أيه عاد؟”..
خطف لمسة ودية من أرنبة أنفها مكملاً ..
” نوع الكائن اللي عمال يخبط شمال و يمين و بيچري تحت يدي ده أيه؟!”..

“ملكش فيه.. لما أولد إن شاء الله أكيد هتعرف وقتها اللي بيجري ده نوعه أيه “.. أردفت بها و هي تكافح بضراوة لتتخلص من حصاره هذا..

كانت عينيه مثبته على شفتيها، و هم بغمرها بلمسة ودية جامحة،
ضيقت عينيها و قد تفهمت ما يدور بذهنه، فضحكت بصوتها كله و هي تقول..
“أنت فاكر إني كنت رافضة أرجعلك بسبب أبلة خضرا ، و دلوقتي ممكن نرجع عشان انفصالتها؟!.. اللي بتفكر فيه ده مستحيل يحصل لأن أنت كنت على حق في كل كلمة قولتها ليا، و أنا اللي غلطانه.. شعوري نحيتك كان مجرد احتياج للحماية فعلاً..مش حب و لا عشق زي ما خيالي المريض صورلي”..
نظرت داخل عينيه بعمق و تابعت بقسوة نابعة من جروحها التي مازالت تنزف..
” يعني أنا مبحبكش ياريت تفهم ده كويس، و بما إني اتعلمت احمي نفسي بنفسي و الفضل في ده يرجع ليك الحقيقة فأنا بعترفلك أني مديونة ليك بالشكر لأنك صممت على انفصلنا يا عبد الجبار، و أنت كنت قولتلي إنك هتحترم قراري”..

كلماتها أصابته بمإيذاء، شعرت بتصلب جسده حولها، أيقنت الآن أنها خسرته للأبد من نظرته لها المملؤه بالحسرة و الوجع،طعنته في قلبه بسكينٍ بارد، أبتعد عنها ببطء و انتصب واقفًا بطوله المُهيب وتحدث بصلابة قائلاً ..
” و أني عند كلامي.. قرارك هنفذه و مش هردك لعصمتي و من انهاردة اللي بنا هيكون اللي في بطنك سواء بنت أو ولد، و الشغل و بس يا سلسبيل هانم”..

………………………………… سبحان الله وبحمده……

بالخارج..
وقف “جابر” مستند بكفيه على مكتب” صفا” يتأملها بشغف،تلك الفتاة الخلوقة، وصية والدته التي أكتشف أنها يتيمة الأبوين و أن زوج والدته يكون صديق والدها الذي لم يُرزق بأطفال فتخذها ابنة له بعد وفاة والدها و والدتها في حادث أليم نجت هي منه بمعجزة إلهية،

ابتلعت لعابها بصعوبة من نظراته الجديدة كليًا عليها، يتطلع لها بابتسامة دافئة لا تخلو من الإعجاب مردفًا..
” أطلب لي بيتزا معاكِ “..

” بيتزا!!.. بس أنت قولت قبل كده إنك مبتحبهاش؟”..
همست بها “صفا” بستحياء متجنبة النظر له، ليميل هو برأسه قليلاً عليها، فنظرت له بأعين متسعة على أخرها من تغيره المفاجئ معاها، ليزيد هو من دهشتها حين قال..
“أصلي المرادي واثق إني هحبها زي ما هي بتحبني و أكتر كمان”..

رمشت بأهدابها مرات متتالية مدمدمة ببلاهة..
“هي مين دي اللي بتحبك؟!”..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *