جبر السلسبيل بقلم نسمة مالك ج٢ الثاني

أنه على علم بكل شيء حدث بينها و بين ضرتها! ، كيف علم، من أخبره، و لما طلقها إذن؟!، دارت هذه الأسئلة برأسها لكنها لم تستطع النطق بحرف واحد، بقت تطلع له بأعين جاحظة، منذهلة..

تنحنحت كمحاولة منها لإيجاد صوتها الذي خرج مرتعش و هي تقول مستفسرة..
” أنت عرفت كل ده إزاي؟ و لما عرفت طلقتني أنا ليه و سبت على ذمتك اللي عايزة تإيذاءك؟!”..

أجابها “عبد الجبار” بملامح حزينة يملؤها الأسف الشديد..
“عرفت من بتي فاطمة.. شافت أمها و هي بتحط منوم ليكم في الوكل.. عملت أنها كلت و نامت زي أختها و أمي بس هي كانت صاحية و سمعت كل حديتها وياكِ و قالتلي على كل اللي حُصل بعد ما وعدتها مأذيش أمها “..
صمت لبرهةً يلتقط أنفاسه و نظر لها بعينيه التي تذوب بتفاصيلها مكملاً بصوته الأجش ..
” و سبت اللي عايزة تطلقني على ذمتي لخاطر بناتي، وطلقتك أنتي يا سلسبيل عشان ده الصُح اللي كان لازم أعمله من الأول.. أنتي متضرر لينا كلنا.. أبوكي، أمي، أخوي الله يرحمه و يسامحه، خضرا، و إني كمان صممت اتچوزك و أني خابر إنك مبتحبنيش و مچبورة على چوازك مني”..

“و مين بس قالك إني مبحبكش؟! “.. أردفت بها و هي ترفع يدها و تضم وجهه بين كفيها الصغيران، و أصابعها تتحسس لحيته بشغف مكملة بعشق..
” ده أنا اعترفلك إنك كنت حلم بالنسبالي، و أمنيتي اللي مكنتش أتوقع أنها تتحقق.. أنا مش بس بحبك.. أنا بعشقك يا عبد الجبار “..
ختمت حديثها و مالت برأسها على صدره بعدما توقت عنقه بذراعيها..

“عشقك ليا ده وهم و هيجي عليكي الوقت و توفقي منه، و وقتها هتعدم قبوليني و تعدم قبولي اليوم اللي شوفتيني فيه، و أني الغياب أهون عندي من نظرة عدم قبوله إزعاجحها في عيونك يا بت جلبي، عشان أكده بحرم روحي منك دلوقتي قبل ما يچي الوقت اللي تحرميني أنتي فيه منك للأبد، لأني واثق إنك لما تفكري في حديتي ده زين هتلاقي عندي حق، وقتها هتحترميني و مش هتقطعي الوصل بنتنا، لكن لو لقيتي قلبك و عقلك متعلقين بيا كيف ما أني متعلق بيكي، و رايداني أردك على ذمتي مرة تانية لازم تكون بأرادك الكاملة ، من غير ضغط و إچبار من أي مخلوق يا سلسبيل”..

ابتعدت عنه و تطلعت له بأعين دامعة، و بهمس عاتبته قائلة..
” بعد كل اللي عشناه سوا، بتشكك في حبي ليك يا عبد الجبار؟!”..

حرك رأسه لها بالنفي سريعًا، و جذبها من خصرها داخل احتضانه بلهفة..
” أني واثق من حبي ليكي.. لكن اللي جواكي من ناحيتي مجرد احتياج و بس مش حب، و أنا وفرتلك كل سُبل الحماية و الأمان اللي أنتي محتاجهم، لما تتعودي عليهم هتقدري ساعتها تعرفي إحساسك من چهتي أيه بالظبط، و أي إن كان قرارك أني هحترمه و هقدر يا سلسبيل “..

.. نهاية الفلاش باااااااااااك..

فاقت من تلك الذكرى على صوته ينادي عليها بقلق حين لمح العبرات تترقرق بعينيها الفاتنة التي تسحره بجمالها..
” سلسبيل أنتي زينة؟! “..

” اه كويسة.. كملوا شغل”.. قالتها بأقتضاب و هي تنظر لملف موضوع أمامها، فرحتها الغامرة بحضوره التي تزين ملامحها أصبحت ممزوجة بالانفعال و الغيظ أخفي فرحتها هذه حين تذكرت رفضه القاطع بردها على ذمته بعد علمه بأنها حامل منه لا يريد أن يكون بينهما رابط يجبرهما على العودة لبعضهما، يريدها كما قال بكامل إرادتها، حتى وصل به الأمر يطلب منها تقولها له صريحة، تخبره بكل ما تملك من جرئة أنها تريده زوجًا لها و هذا لا و لن تسمح لها كرامتها و لا كبريائها بفعله..

كل هذا تحت نظرات “جابر” الذي يتابعها بصمتٍ، و إبتسامة دافئة..

لا يريد أي شيء أخر غير أن يراها قوية، و تحيا حياة سعيدة حتى لو كانت سعادتها هذه مع غيره، منذ اللحظة التي أخبرته فيها بحملها و هو أيقن أنهما لن يتقابلان على طريق الحب أبدًا، و رغم هذا تعهد بحمايتها و دعمها لأنها ستظل صغيرته “سلسبيل”..

“خلينا ناخد ساعة راحة، و نعاود للشغل مرة تانية”..
قالها “عبد الجبار” و هو يرفع رأسه أخيرًا و ينظر تجاه معذبته التي ابتعدت مسرعة بعينيها عنه و مثلت إنشغالها بالأوراق أمامها..

نهض جميع الحضور من بينهم “جابر” الذي تحدث بعملية و هو يتنقل بين “سلسبيل ” و” عبد الجبار “قائلاً..
“مدام الشغل مطول كده يبقي نطلب غدا.. تحبوا تاكلوا حاجة معينة ؟ “..

” عايزة بيتزا ميكس جبن يا جابر لو سمحت”..
قالتها “سلسبيل” بصوتها الهامس الرقيق، و هي تعتدل على مقعدها بوضع أكثر راحة، و رمقة “عبد الجبار” بنظرة خاطفة مكملة بابتسامة مصطنعة..
” و وصل مستر عبد الجبار لمكتبه الجديد اللي صممت كل ديكوره بنفسي”..
ذادت ابتسامتها اتساع، و تطلعت له بنظرة بدت باردة و تابعت بثقة..
“تصميمه مش هيعجبك.. بس هو عاجبني أنا و ده المهم”..

كتم “جابر” ابتسامته على طريقتها التي تثير جنون ذلك العاشق الملتزم بالصمت ، لم يتفوه بكلمة واحدة، أكتفي بالنظر للعاملين المرافقين لهم نظرة يخبرهم بها أن يتركوهم بمفردهم، و بالفعل بدأ الجميع يغادرون المكان واحد تلو الأخر..
“طيب يلا بينا يا عبد الجبار أوصلك لمكتبك و بعدها هطلب الأكل.. أطلب لك بيتزا أنت كمان و لا تقضيها سندوتشات زيي؟ “.. قالها” جابر” الذي نهض من مكانه و سار تجاه الباب..

“أطلب أي وكل مش هيفرق”..
نطق بها “عبد الجبار” و هو ينهض أيضًا، سار خلفه بخطوات هادئة أثارت الريبة بقلب تلك الجالسة جعل قلبها ينتفض أكثر بين ضلوعها خاصةً حين وجدته يغلق الباب عليهما بعدما خرج”جابر” مباأذىةً..
” و ده إسمه أيه ده إن شاء الله يا مستر؟!”.
قالتها بثبات تُحسد عليه عكس انصهارها و ذوبان عظامها..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *