خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج٣
قال بعد ضحكة ماجنة :
– هو أنا أقدر أقول لا بس مش هينفع نتقابل اليومين دول زي زمان, أدهم دلوقتي هيبقى معاكي أكتر ومش عاوزينه ياخد باله.
تنهدت بتأفف وهي ترد :
– وليه السيرة الزفت دي دلوقتي وأنا معاك, انا مش فاهمة ازاي اقنعتني اتجوزه, ده واحد جلف ومش نوعيتي خالص.
سمع صوت أخيه يقول في طمع :
– عشان فلوسه تبقى لينا يا حلوة ماتركزي معايا شوية.
تنهدت مرة أخرى ولكن في دلال هذا المرة وعادت لنفس النبرة السابقة :
– طيب المهم إنك وحشتني وعاوزاك حالا.
أجابها بنفس طريقتها :
– مش اكتر مني, بس مش لازم نتقابل عشان نبقى مع بعض, امال التليفون اخترعوه ليه.
سمع ضحكة تشبه ضحكات العاهرات تصدر منها تبعها حديث لم يستطع أن يكمل ربعه حتى لمدى ما فيه من انحطاط وقذارة لم يتصورها فيهما, لم يدر بنفسه إلا وهو ينتزع الذاكرة من الجهاز مع الورقة والمظروف وينطلق كالصاروخ تجاه مكتب أخيه ثم فتح بابه بعنف ليجد مكتبها فارغا منها, تطلع إليه في غضب شديد فلو كانت أمامه , نظر باتجاه مكتب أخيه واتجه إليه بسرعة وفتحه ليجد الهواء في مقابله هنا أيضا, ازداد غضبه وتأججت نيرانه أكثر, فرفع سماعة الهاتف واتصل باستقبال الشركة سائلا عن (آدم) ليرد عليه الموظف :
– خرج يافندم من حوالي ربع ساعة مع مدام جمانة أبو الفتوح.
حدق في سماعة الهاتف في صدمة, أهذا ممكن ؟ هل يستغفلانه فعلا ؟ ألقى السماعة على المكتب بعنف وانطلق مغادرا المكتب بسرعة حتى أنه اصطدم خارجه بأحد موظفيه فأوقع منه بعض الأوراق وكاد يوقعه هو شخصيا فهتف مفرغا غضبه فيه :
– انت مش شايفني ماشي قدامك.
ارتبك الرجل وانحنى يجمع أوراقه بسرعة وهو يعتذر قائلا :
– انا آسف يافندم بس حضرتك كنت ماشي بسرعة و …
قاطعه في عصبية شديدة :
– حضرتي ايه ؟ أنا اللي خبطت فيك مثلا ؟
شعر الرجل بمزيد من الارتباك وبعض الخوف فجمع أوراقه ثم قال وهو يبتعد في سرعة :
– آسف يا فندم معلش ماخدتش بالي.
تطلع إليه (أدهم) وهو يزفر في حنق وغضب شديدين ثم انطلق خارجا من الشركة بسيارته يقودها بسرعة كالمجنون, وصل بها إلى وسط المدينة وحنقه يزداد بسبب الزحام, فركن السيارة جانبا وترجل منها ليسير على قدميه محاولا تبديد غضبه وألمه والتفكير بمنطقية, تساءل كثيرا هل يمكن أن يحدث هذا ؟ أتكون (جمانة) التي اختارها قبله بعد كل تلك السنون من الوحدة بهذه الأخلاق, أتكون أفعى في ثياب يمامة رقيقة ؟ وماذا عن مثله الأعلى في الحياة ؟ (آدم) رفيق قلبه والناصح الأمين ؟ هل هو بهذه الخسة ؟ بهذا الانحطاط وهذه السفالة ؟ .. هز رأسه في عنف محاولا طرد تلك الأفكار الغائمة كسحب تحجب ضوء الشمس في سمائه , وجد أن قدميه قادته لمكانه المفضل على نيل القاهرة وعلى الرغم من حرارة الجو اتجه ليجلس بداخل الكافيتيريا ليرحب به أحد العاملين هناك بحرارة شديدة ويطلب هو مشروبا باردا يطفئ به لهيب صدره, جلس يتطلع إلى مياه النيل وتركها تنساب داخل عقله ماحية كم القذارة التي انتقلت إليه عبر أذنيه, فكر لدقائق ثم هب واقفا قبل أن يصل مشروبه وألقى ببعض النقود على الطاولة أمامه وانطلق كالصاروخ عائدا لسيارته في خطوات أقرب للعدو, ثم قادها متجها لصديق يعلم جيدا أنه سيفيده, فوجيء صديقه هذا بجرس بابه يرن ففتح ليجد (أدهم) في حالة سيئة والغضب والحزن يمتزجان سويا في لوحة سيريالية على ملامحه, هتف في ترحاب به لمحة من قلق :
– أدهم الحسيني, عاش من شافك ياراجل, وأخيرا افتكرتنا !
ابتسم (أدهم) في نوع من الخجل ورد وهو يدلف إلى المكان :
– إزيك يا حاتم عامل ايه ؟
رد (حاتم) بمرح وهو يقوده لأريكة كبيرة في استقبال منزله :
– زي الفل ياكبير, ولما شفتك بقيت زي الفل والياسمين مع بعض.
اتسعت ابتسامة (أدهم) ورمي بجسده على الأريكة في تهالك وهو يقول :
– واحشني والله يا حتوم , الظروف بتاخد الواحد من أقرب الناس ليه.
ابتسم (حاتم) وقال بعفوية :
– أكيد يا أدهم معلش ربنا يعينك, عامل ايه في التجارة بعد ما سبت الهندسة ؟
(أدهم) وهو يمط شفتيه :
– عادي ماشي الحال, كل يوم بنتعلم جديد.
سأله مرة أخرى :
– وإزي أخوك آدم, رجع من السفر ولا لسه ؟
ظهر الضيق فور نطق (حاتم) لاسم (آدم) على ملامحه, ثم قال :
– لا رجع يا حاتم, وجاي لك بخصوص حاجة متعلقة بيه.
ابتسم (حاتم) ثم قام من مكانه قائلا :
– طيب هاجيب حاجة ساقعة نشربها ونتكلم براحتنا.
أومأ (أدهم) برأسه ثم انتظره حتى عاد بعد دقائق قليلة وجلس بجوراه يناوله علبة العصير ثم تسائل :
– ها خير يا كبير ؟
ناوله (أدهم) الذاكرة الصغيرة وقال :
– في ملف صوتي هنا عاوزك تتأكد لي إذا كان صح فعلا ولا متفبرك.
التقطها منه (حاتم) في دهشة ثم سأله بطريقة عملية :
– طيب عندك أي ملف صوت تاني للي هنتأكد من صوتهم هنا ؟
عقد (أدهم) حاجبيه في محاولة للتذكر ثم التقط هاتفه من جيبه وبحث فيه سريعا حتى وصل لفيديو قصير لأخيه فبرقت عيناه في ظفر وهو يناوله لصديقه هاتفا :
– أيوة ده فيديو بس الصوت واضح فيه.
تناوله منه وهو يشغل الفيديو ويستمع للصوت ثم قال :
– الصوت كويس, مش ده آدم ؟
أومأ (أدهم) برأسه إيجابا فعاد (حاتم) يسأل :
– هو في ايه يا أدهم خير ؟
لم يكن (أدهم) يرغب في شرح الأمر بكامله لصديقه فقال في عجالة :
– أبدا ده ملف ابتعت لي وبيخوفوني من آدم فعاوز أطمن انه صح ولا لأ لأني متأكد إن اخويا ما يعملش كده ولا الانسانة اللي اخترتها.
عقد (احتم) حاجبيه في دهشة, ثم تردد قليلا قبل أن يسأله في خفوت :
– ولما إنت متأكد, بتعمل كده ليه وجاي تقولي شوف لي صح ولا متفبرك ؟
طعنه سؤال صديقه البسيط, لم يجد إجابة فاكتفى بالصمت, أما صديقه فربت على كتفه برفق وقال في تفهم :
– خلاص يا أدهم معلش, انا هاقوم ألبس وننزل الاستوديو سوا لأن الجهاز والبرنامج اللي هيبين لنا الفرق هناك.
قال (أدهم) :
– أوك ياحتوم, هاستناك تحت في العربية.
رد (حاتم) :
– خلاص ماشي خمس دقايق بالكتير وهانزلك.
وبعد نصف ساعة كانا يدلفان سويا للاستوديو الخاص بعمل (حاتم) الذي اتجه من فوره لأحد أجهزة الكمبيوتر وأوصله بجهاز آخر ثم أوصله بهاتف (أدهم) وأيضا وضع الذاكرة الصغيرة بداخله, نقل الملفات المطلوبة للجهاز وقال وهو يشرح لـ (أدهم) مايقوم به :
– شوف انا نقلت الملفين هنا, هاسحب الصوت الاول من الفيديو واحطه مع الملف التاني واعمل مقارنة بينهم ببرنامج audacity , يمكن الموضوع ما يبقاش واضح أوي بس لو في فرق غالبا هيبان وهاعمل مقارنة كمان بالجهاز ده, ده بيقيس الذبذبات برده زي جاهز كشف الكذب كده.
أومأ (أدهم) برأسه في صمت وهو يتابعه باهتمام حتى التقط صورتين لسطح المكتب لكلا الملفين على البرنامج, فتح الصورتين متجاورتين وتمعن فيهما بدقة ثم قال بثقة :
– لا يا أدهم مش نفس الصوت, في اختلاف في ذبذبات معينة بس اللي عمل التعديل على الصوت التاني ممتاز بجد, الفرق ماتلاحظوش إلا عين خبيرة وصعب جدا تلاحظه بالودن.
ثم التفت إليه فرآه يتنهد في ارتياح فابتسم وقال :
– تعالى كده نسمع الاتنين بتركيز ونشوف, ولو إن محتوى الملف ده مستحيل أصدق إنه يطلع من أخوك اللي كلنا بنحترمه يا أدهوم.
أجابه (أدهم) :
– أنا عارف بس وقت الغضب ما بتحسش إنت بتعمل ايه, ده كمان اللي عاوز يعمل المشكلة دي اتسبب في حاجة عشان يثبت الموضوع عليهم أكتر بس مش عارف إزاي ؟ لكن سهل اتأكد منها.
ثم صمت مفكرا لثوان احترمها (حاتم) ثم قال بعدها :
– أنا تقريبا عرفت مين عمل كده, وحسابه معايا هيكون عسير بجد لو ثبت الموضوع عليه.
سأله (حاتم) :
– بجد ؟ طيب كويس, ربنا يوفقك يا أدهم, إنت تستاهل كل خير.
ثم ضحك وقال مداعبا :
– وأخيرا طبيت يا كبير.
ابتسم (أدهم) ابتسامة واسعة ثم قال :
– أنا مش عارف أشكرك إزاي يا حاتم, بجد ساعدتني جامد.
ربت (حاتم) على كتفه في مودة وهو يرد :
– شكر ايه بس يا بني إحنا إخوات حتى لو انشغلنا عن بعض, إنت ناسي أيام الجامعة ولا ايه ؟

