خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج٣
شعر بالقلق من لهجتها فتساءل وهو يحاول أن يمسك كفها :
– خير يا لميا ؟ هي جمانة كويسة ؟
أومأت برأسها أن نعم وقالت :
– الحمد لله, الموضوع اللي هأكلمك فيه يخصني انا وانت مش جمانة يا أحمد, ياريت بس تلبس وتستناني على مااغسل وشي .
رد ببعض العصبية :
– خير يا لميا, هو نكد ع الصبح, ارحميني بقى مش كل ماتشوفي وشي تضربي البوز الخشب وتفتحي أي خناقة.
ثم قام من مكانه متجها للدولاب وفتحه بعنف وهو يهتف :
– انا نازل, مش ناقص قرف حتى يوم الأجازة مافيهوش راحة.
وجدت أن عدوى العصبية قد انتقلت إليها وهي تقول :
– أحمد من فضلك, لا نكد ولا غيره, هو موضوع واحد وأخير هنتكلم فيه ونحط النقط ع الحروف وبعدها هترتاح.
نظر إليها بقلق فاتجهت للحمام وغسلت وجهها بالماء البارد الذي اختلط بدمعة سالت على وجنتها بدون أن يراها أحد, عادت إليه لتجده يزرر قميصه فاتجهت للأريكة في ركن الغرفة وجلست عليها وأشارت إليه ليجلس بجوارها, كانت تريده قريبا تستشعر رائحة الندى على جسده, يلامسها دفئه ولو من على بعد, اتجه إليها وجلس بجوارها, الآن ستعلم من الكاذب, أخرجت هاتفها وفتحت الرسالة ومدت يدها به إليه وسألته :
– الموضوع اللي هنتكلم فيه يا أحمد أهم موضوع في حياتنا, هو الحاجة اللي بتجمع بيننا, مش هاقول أولاد أو انشغالك او انشغالي, لا هأقول الحب اللي متأكدة إني حبيتهولك, حبك لي مش عارفة هو موجود ولا لا, بس حبي موجود وبإيدك يعيش أو يمو*ت.
نظر إليها ولم يفهم, شعر بالقلق وتساءل في داخله : مالذي تقصده ؟ أما هي فبعد لحظة صمت استطردت :
– عاوزة إجابة صريحة يا أحمد وصدقني هأقدر أتعايش مع الموقف وأتقبله.
ثم رفعت الهاتف بالرسالة أمام عينيه وسألته :
– ممكن تقول لي إيه الرسالة دي ؟
لم يحاول التقاط الهاتف منها بل قرأها بعينيه سريعا وشعر بالبرودة تغزو أطرافه, توتر وهو يجيب :
– مااعرفش, ايه الكلام الفارغ ده؟
لم تعلق بل مدت يدها إليه وقالت :
– طيب ده كلام فارغ, ممكن موبايلك ثواني.
قال بعصبية :
– عاوزاه ليه ؟
ردت بهدوء :
– أبدا, إنت بتقول الرسالة دي كلام فارغ, عاوزة تقولي الرسايل المقرفة اللي على موبايلك برده كلام فارغ ولا بجد ؟
اتسعت عيناه وازدادت عصبيته وهو يهتف :
– انت بتفتشي في موبايلي يا لميا؟ من امتى ؟ وانا نايم على وداني وفاكرك الاستاذة المحامية المتحضرة الواثقة من نفسها, طلعتي بتعملي زي الستات الجاهلة اللي بتفتش ورا ازواجها.
قابلت عصبيته ببرود شديد وقالت :
– ممكن الموبايل.
تطلع إليها لوهلة في دهشة, لما هي باردة هكذا؟ أين الحب والوله الذي كان يسكن ملامحها؟ أتراها تعلم بالفعل وتصدق؟ قال بعد تفكير :
– إنت عاوزة ايه يالميا ؟
ردت بهدوء :
– عاوزة نحط النقط ع الحروف, أعرف أنا بقيت فين في حياتك ؟ عاوزة القلق والألم والخوف اللي عايشة فيه ينتهي.
قال بدهشة :
– قلق وألم وخوف ؟ معايا يالميا ؟
سالت دمعة صامتة لم تشأ لها أن تظهر أمامه فيستشعر ضعفها وحبها لكنها أجابت :
– أيوة معاك يا أحمد, إنت شفت الرسالة بنفسك, وأنا شفت رسايل أقل وصف لها إنها قذرة على موبايلك, أهملتني وتقريبا عايشة أنا وباباك لوحدنا, ياشغل يا أصحاب ياالله أعلم ايه تاني ؟ ايه يخليني اصبر أو اقيدك, احنا اللي كان بيربط بينا خلاص, انقطع من عندك فمالوش داعي أفضل متمسكة بيه, الأفضل أسيبه عشان ع الاقل قلبي الموجوع يستريح شوية وانت تشوف حياتك ومستقبلك والولاد اللي نفسك فيهم مع اللي بعتتلي الرسالة.
شعر بالغضب فانتفض واقفا وهو يهتف بها في عصبية :
– انت أكيد اتجننتي يالميا, لمجرد إن حد بعت لك رسالة مالهاش لازمة تقومي تهاجميني بالشكل ده وتقولي لي نبعد وقطعت وانت عملت, كنت فاكرك أعقل من كده.
وقفت أمامه وقالت بهدوء حازم :
– بلاش سياسة خدوهم بالصوت دي يا أحمد, إحنا الاتنين أعقل وأكبر من كده, بتنكر ليه؟ ماتقوليش لسه باقي علي, لو كنت باقي ماكنتش تخون, وماتقولش لا ماعملتش, انت حتى وانت بتنكر صوتك مهزوز وواضح في عينيك.
زم شفتيه وظهر الغضب جليا على وجهه وهو يضم قبضتيه بشدة, شعرت بالخوف فتراجعت خطوة للخلف, لكنه اقترب منها بسرعة وأمسك ذراعها بعنف وصرخ في وجهها :
– عاوزة ايه يالميا؟ عاوزة اعتراف ؟ عاوزة تسمعي مني بودانك إني باخونك واني باحب واحدة تانية ؟ طيب يالميا, انا فعلا باحب واحدة تانية ومش بس باحبها انا اتجوزتها وخدي دي كمان, هي حامل في الشهر الخامس, مبسوطة كده يا أستاذة يا كبيرة ؟
كال لها لكمات كلماته حرفا حرفا متتابعة حتى انهارت وتكسر قلبها فتاتا من الألم, ثم تركها مبتعدا يملؤه الغضب, لم تدر ماذا تفعل, هل كانت تتمنى أن ينكر ويصر على إنكاره, أن يرجوها, أن يبثها حبه ؟ أن يسخر حتى من أفكارها ومخاوفها ؟ ربما, لكن أن يلقي بقنابله تباعا في وجهها وبتلك القسوة هذا مالم تتوقعه, شعرت بقبضة قاسية تعتصر قلبها فينزف دموعه, صمتت تتطلع إليه وهو يلهث من شدة الغضب بعد تلك القنابل المدوية التي فجرها لسانه, وقبل أن تتمكن من منعها سالت دمعة حارقة من عينيها, لمحها هو فلان قلبه, اقترب منها لكنها تراجعت للخلف بسرعة وهي تمد يدها لتمسح دمعتها, تنهد وقال :
– ليه كده يالميا ؟ أنا ماطلبتش حاجة وحشة أو حرام؟ أنا نفسي أكون أب ومن حقي أكون أب, ماقلتش لأني مش عاوز أجرحك, وباقي عليكي حتى لو مش مصدقة, ابني هيبقى ابنك وتشوفيه وتربيه زي مامته بالظبط, مش عاوزك تسيبيني.

