خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج٣
______________________________
خرج (أدهم) من الفيلا غاضبا حانقا والأهم حزينا, كان يشعر بحزن عميق لرد فعل والديه, هاهي والدته ترفض بعنف وتصرخ في وجهه ووالده يتخاذل في نصرته أمامها كما فعل مع أخيه من قبل, أخيه الذي يعلم تماما أنه يسانده ويقف إلى جانبه دوما, أخيه الذي هاجر وترك بلده وأهله بسبب والدته هو, لم يدر إلا وهو يزفر في حنق شديد ويلتقط هاتفه ويطلب رقمه, استمع للرنين على الجانب الآخر لثوان ثم فتح الخط ليسمع صوت أخيه يقول في مرح :
– أدهم المجنون, فينك يابني, ايه المصيبة اللي عملتها النهاردة دي ؟
تنهد (أدهم) وقال في ضيق :
– مش فايق للهزار يا آدم إنت فين ؟
شعر (آدم) بلهيب تنهيدته ومدى الضيق المحتشد فيها فسأله في قلق :
– مالك يا أدهم خير ؟
رد (أدهم) في عصبية :
– يابني رد علي إنت فين عاوز أشوفك.
قال بسرعة :
– انا في البيت تعالى.
أجاب (أدهم) بزفرة أخرى :
– لا عاوز أقعد في مكان مفتوح انزل قابلني.
شعر (آدم) بالحيرة وهو يقول :
– مش هينفع يا أدهم يوسف لوحده, طيب تعالى ونقعد في البلكونة نتكلم.
زفر (أدهم) في ضيق مرة أخرى ثم قال في استسلام :
– طيب أنا جاي.
جلس (آدم) منتظرا أخيه في قلق شديد, لم يسمع صوته بهذا الشكل من قبل, كان كم الضيق فيه ونبرة الحزن التي تخالطه كبيرا جدا, رن جرس منزله فقام لفتح الباب بسرعة ليجد (أدهم) يقف مستندا للجدار المجاور للباب ويبدو عليه الإرهاق والغضب واليأس فمد يده يجذبه للداخل هاتفا :
– تعالى يا أدهم, مالك ايه اللي حصل وشكلك عامل كده ليه ؟
دخل (أدهم) مع أخيه ليرمي جسده في تهالك على أقرب مقعد وجده في طريقه ويتنهد بعمق ثم أسند رأسه لمسند المقعد وأسبل عينيه, جلس (آدم) على مقعد مجاور وربت على كفه متسائلا في حنان :
– حصل ايه يا أدهم طمني, مالك ؟
فتح عينيه وغمغم في حزن :
– مش موافقين يا آدم.
لم يفهم أخاه في البداية لكن فجأة علم ما يتحدث عنه (أدهم) فقال :
– انت قلت لهم ؟ طيب مش كنت تستنى رأيها ؟
زفر في حنق وقال في عصبية :
– يابني باقولك مش موافقين, يعني رأيها لحد دلوقتي مش فارق معاهم المهم اللي هما عاوزينه وبس.
سأله بتردد محاولا عدم إغضابه :
– طيب افرض هي ماوافقتش ؟ يبقى انك تفاتحهم في الموضوع مالوش لازمة, كنت استنى رأيها بدل ما تعمل مشكلة.
نظر إليه في استياء وقال :
– خلاص اللي حصل حصل يا آدم, مش ناقص بقى.
تنهد (آدم) وسأل :
– قالوا لك ايه ؟
قص عليه (أدهم) تفاصيل الموقف وأنهى كلامه قائلا :
– كل اللي هاممهم الفلوس والمركز الاجتماعي وصحابنا يقولوا ايه, وأمي كل اللي في بالها إني اتجوز دينا بنت صاحبتها وخلاص بغض النظر عن إنها تناسبني او لا, بحبها ولا لا.
شعر (آدم) بالضيق من أجل أخيه, هاهو موقف آخر يتكرر يخذل فيه الأب ابنه أمام زوجته, وهذه المرة كان الابن ابنها أيضا, لكنها تريد فقط السيطرة وتملك ما تستطيع من الدنيا حتى وإن كان على حساب ابنها, في النهاية قال له :
– إنت بتحبها يا أدهم ؟
تطلع إليه في دهشة, أهذا هو الوقت المناسب لمثل هذا السؤال ؟ كرر (آدم) :
– رد علي بتحبها ؟
خفض (أدهم) عينيه أرضا وخرجت من صدره تنهيدة حارة تعبر عن اللهيب الذي يشتعل بداخله احتراقا, صمت محاولا إيجاد كلمات تعبر عما يشعر فلم يجد, قال بعد صمت :
– مش عارف اللي حاسس بيه أسميه ايه يا آدم ! أقولك إني أول ما شفتها حسيت بحاجة غريبة كأني لأول مرة بأشوف واحدة ست ؟ أقولك إني اتخانقت معاها أول مااشتغلت ومن ساعتها وأنا نفسي أقولها آسف في وشها بس مش قادر, إني لما بأكون في نفس المكان اللي هي فيه بأرتبك واتلخبط وفي نفس الوقت باحس إني قوي وعنيف وقاسي وعصبي زي اللي عنده اسكيزوفرينيا, إني ابحب استفزها واشوفها متعصبة ووشها أحمر من الغضب والخجل, إن نفسي تكون لي وأخبيها جوايا وماحدش يلمسها او يشوفها أو حتى يفكر فيها, مش عارف أقول ايه, مااعتقدش إن ده حب, دي حالة غريبة بقت بتجيلي بسببها ومش عارف أتخلص منها.
ابتسم (آدم) في حنان شديد وقال :
– إنت تخطيت مرحلة الحب بكتير, يعني إنت عرضت عليها الجواز للأسباب دي كلها مش مسألة بس إنها محتاجة حد يحل لها مشكلتها ؟
أومأ برأسه إيجابا في صمت ثم قال بصوت متحشرج مخنوق :
– مشكلتها كانت بس الدافع اللي خلاني أفتح عيني على مشاعري وأجبرني أعترف بيها, مجرد تفكيري إنها ممكن تقتنع بالحل اللي انت اقترحته عليها وتفكر فيه وتقبله وإن ممكن حد تاني انا عارف انه في ثواني ممكن ياخدها مني خلتني زي المسعورٍ اللي ممكن يرتكب جريمة عشان تفضل ليا أنا وبس, كان لازم أعترف قدام نفسي وكان لازم أحبسها وأسلسلها حتى لو غصب عنها, هتكون ليا يعني هتكون ليا, كابرت كتير واستغربت أحيانا الضيق والغيرة اللي كنت باحس بيهم لكن وقت الجد جه وما ينفعش أكابر أكتر من كده, كنت زي المجنون ماحسيتش بنفسي غير وأنا واقف قدامها وهي قاعدة على كرسي مكتبها وكمية إرهاق غير عادية على ملامحها, حسيت بيه إرهاق نفسي أكتر منه جسدي, كان نفسي أحضنها وأحاول أمحي الحزن اللي عايش جواها ومستعمر قلبها, كل اللي طلع مني لما لاقيتها بتبص لي بخوف وقلق وتنزل عينيها في الأرض من نظرتي ليها هو كلمة واحدة, طلبت منها الجواز, لما سألتني ليه ….
صمت ثانية ثم ابتسم في حنان وهو يكمل :
– ماقدرتش أقاوم إني أستفزها تاني وأقولها مش عارف, يمكن غلاسة يمكن شوية كبرياء إني برده مش عاوز أعترف لها, بس قلت لها إني هاتجوزها حتى لو ماوافقتش, أعمل ايه يا آدم ؟ الوحيدة اللي قلبي اختارها وقفل على نفسه عشانها طول السنين دي مش قادر يوصلها وكأن الدنيا كلها واقفة قصاده.
سأله (آدم) :
– تحب اتكلم مع بابا ؟
رفع (أدهم) عينيه إليه في أمل وهتف :
– بجد يا آدم هتكلمه ؟
هز كتفيه وقال بابتسامة :
– هاحاول يمكن كلامي يفرق معاه.
ابتسم (أدهم) وقال في حماس :
– أكيد هيفرق, بابا بيحبك جدا وبعد الغياب اللي غبته بيتمنى منك تطلب منه أي حاجة.
طمأنه (آدم) :
– خلاص هاحاول, تفتكر أقابله فين ؟
تراجع (أدهم) وفتر حماسه فجأة وهو يجيب :
– بابا اليومين دول مش بيخرج من البيت زي ماانت عارف, كان تعبان شوية ومش بيقدر يخرج.
فكر (آدم) لدقيقة أو يزيد واحترم (أدهم) صمته, كان يأمل أن يذهب إليه ولو لدقائق من أجل خاطره, رفع (آدم) رأسه وقال بحزم :
– خلاص يا أدهم بلغه إني هازوره بكرة وربنا يحلها من عنده.
شعر (أدهم) بالسعادة, هاهو الأقرب إليه يثبت دوما أن يستحق تلك المكانة في القرب منه, ابتسم ابتسامة واسعة وقال :
– ربنا يخليك ليا يا آدوم, مش عارف من غيرك كنت عملت ايه, إنت رجعت في الوقت المناسب .
ربت أخوه على كتفه وابتسم مشجعا ثم قال :
– على ايه يا أدهم دعواتك بس نوصل لحاجة لأن بابا لو وافق طنط فريدة مش هتقدر تعارض.
أومأ (أدهم) برأسه موافقا ثم قام متسائلا :
– فين يوسف ؟ نايم ؟
أجاب أخوه :
– أيوة عنده مدرسة الصبح.
(أدهم) :
– طيب تمام, أنا كنت ناوي أنام عندك النهاردة بس مادام هتيجي بكرة خليني اروح أمهد لبابا .
(آدم) موافقا :
– ماشي يا أدهم.
تبادلا السلام ثم انطلق (أدهم) عائدا لمنزله في حين بقي (آدم) يفكر في طريقة لإقناع والده أن يترك لأخيه حرية اختيار من يريدها ولا يمنعه حتى لا يفقده هو الآخر .
____________________________
في اليوم التالي كان اللقاء العاصف بين (دينا) ووالدتها وبين (فريدة), كانت (دينا) تشعر بحقد لا مثيل له وتغلي من الغضب لا يماثله سوى الغضب المتجمع في سماء (فريدة), قالت (دينا) بعصبية شديدة :
– يعني إحساسي كان في محله ! أنا مش فاهمة أدهم بيفكر إزاي وايه اللوكال دي اللي فضلها عليه, مش جميلة مش شيك يوزد Used وعندها بنت كمان, إزاي يسيبني انا ويروح لدي ؟




