خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج٣
نهض (آدم) من مكانه وقال :
– بقى كده, طيب مع نفسك بقى, أنا راجع مكتبي لجمانة.
نظر إليه في غيظ فبادله النظرة بأخرى عابثة جعلته يلف وجهه ثم ابتعد هو في صمت.
________________________
جلس (أدهم) في مكتبه يفكر في شرود, لم يدر كيف خمن أخيه ماقاله, هل يبدو عليه الحب ؟ هل يحبها فعلا ؟ أي نوع من الحب هذا الذي يجعله يسعد باستفزازها وإغضابها ؟ أي حب الذي لا يشعر به إلا عندما ينبهه أحدهم إليه ؟ وتلك الفكرة التي اقترحها (آدم), فكرة مجنونة جعلت أخرى أكثر جنونا تقفز إلى عقله تثيره أكثر وتجبره على تنفيذها , قطع شروده رنين هاتف المكتب المتصل بالاستقبال فنظر إليه في دهشة ثم رفع سماعته قائلا :
– أيوة يا حسن خير ؟
أتاه صوت موظف الاستقبال قائلا في عجلة :
– أيوة يافندم, في واحد هنا مصمم يدخل الشركة بأي شكل ومتعصب جدا, عاوز يطلع الحسابات عشان يقابل أستاذة جمانة أبو الفتوح.
يا إلهي ! ألن ينتهي هذا الأمر ؟ هكذا فكر (أدهم) , كل دقيقة يحدث شئ يتعلق بها حتى كاد يفقد صوابه, طال صمته فأتاه صوت (حسن) مرة أخرى متسائلا :
– يافندم! أعمل ايه أطلعه ؟
أفاق من شروده على السؤال الذي استفزه أكثر فرد في عصبية :
– تطلعه فين ياحسن ؟ هو نادي ؟ عاوز ايه ده كمان ؟
رد (حسن) بلا اهتمام :
– مش عارف يافندم.
هنا علا صوت غاضب بجواره يهتف :
– انتو بتستهبلوا, بأقولكم عاوز أقابلها هو في ايه ؟ داخل منطقة عسكرية أنا هنا يعني ؟
عقد (أدهم) حاجبيه في غضب بعدما سمع تلك الجملة وقال :
– طلعه على مكتبي ياحسن أما نشوف آخرتها.
ثم أغلق الخط وهتف في حنق :
– ده ايه البلاوي دي ياربي ؟
بعد دقائق لم تطول طُرِق باب مكتبه, فقال في حزم :
– ادخل.
دلف للمكان شاب متوسط الطول خبيث النظرات, بدا كأنه لم ينم منذ فترة شديد العصبية والغضب وبصحبته أحد أفراد أمن الشركة, سأله (أدهم) بهدوء :
– مين حضرتك ؟
أجاب الشاب في عصبية :
– أنا دكتور هشام عبدالله, كنت مدير صيدلية جوز جمانة.
شعر (أدهم) بغضبه يزداد من طريقة حديث الرجل وذكره لاسمها مجردا هكذا فسأله :
– طيب وعاوز ايه حضرتك ؟ دي شركة ومكان عمل وبس مش نادي تتقابلوا فيه .
علا صوت (هشام) وهو يقول في عصبية :
– ما أنا مش عارف أوصلها, الهانم بتستهبل, بعد ماشلت الصيدلية على كتافي وتعبت فيها وكبرتها جابت واحد ركبته علي ودلدل رجليه وفي الآخر ألشوني منها هما الاتنين عشان يفضى لهم الجو مع بعض.
تماسك (أدهم) قدر استطاعته وضم قبضتيه بقوة أسفل المكتب, كان يريد الانقضاض عليه وتحطيم أسنانه بسبب ماقاله والطريقة التي قاله بها, وبسبب ما لمح إليه, بالتأكيد يقصد (حسام) الذي صدم ابنتها بسيارته ثم ملكته مالها بعدها تلك المجنونة, انتابه الغضب أكثر لأنه شعر بالغيرة تجتاح قلبه وتشعل فيه نيرانها لكنه اكتفى بأن يهتف به في غضب :
– أيه الكلام الزبالة ده ياحضرت, مش عيب دكتور محترم يتكلم بالطريقة دي على واحدة ست في غيابها, عاوز تتفاهم معاها يبقى بعيد عن الشركة وبمنظرك ده يفضل ماتقربش منها أحسنلك.
ثم أشار لرجل الأمن هاتفا في حزم غاضب :
– طلعوه بره الشركة وممنوع بعد كده حد يدخل وخصوصا البني آدم ده.
ظهرت شرارة الغضب والشر في عيني (هشام) ثم قال بصوت عال :
– آآآه , قول كده بقى ؟ الهانم دايرة على حل شعرها وموقعة الرجالة في دباديبها, بتطردني عشانها بدل ماتجيبلي حقي منها, ماشية معاك إنت كمان ؟
لم يشعر (أدهم) بنفسه إلا وهو ينقض عليه ويكيل له لكمة عنيفة في فكه أسقطته أرضا والدماء تنزف من فمه بغزارة ثم انحنى يقبض بعنف على ياقة قميصه وقال في صرامة شديدة وهو ينظر في عينيه :
– الحيوان الزبالة اللي زيك مايستاهلش غير كده, واللي بتتكلم عليها دي أشرف منك ومن كل اللي تعرفهم مليون مرة, وقسما بالله لو اتعرضت لها لا تكون فيها نهايتك ؟ فاهم ؟
قالها وهو يحدق في عينيه بصرامة وغضب شديدين أثار الرعب في أوصاله واستشعره (أدهم) فشعر بالتقزز منه, ألقاه أرضا بعنف وهتف في رجل الأمن :
– طلعوا الزبالة ده بره.
أمسكه رجل الأمن بقوة وهو يصرخ في عصبية محاولا الإفلات منه حين دنا منهما رجل أمن آخر لمساعدة زميله وقاما بجره جرا خارج الشركة وهو يصرخ ويتوعد, كانت (دينا) واقفة قرب بوابة الشركة بعد أن كتبت استقالتها وأرسلتها لمكتب (أدهم) وفي طريقها لمغادرة الشركة مهزومة مدحورة, وقفت تتابع ما يحدث في اهتمام ولفت نظرها صراخه باسم (جمانة), شعرت أن القدر قد ألقى في طريقها بالحبل الذي ستلفه حول عنق (جمانة) حتى يخرج آخر نفس في صدرها, انتظرت حتى أخرجوه من الشركة تماما ثم تبعته بسرعة ولاحظت أنه يتأوه ويمسك بمنديل يمسح به الدماء من فمه, ابتعدا قليلا عن الشركة وما إن اقترب من سيارته حتى نادته هاتفة بأرق نبرة استطاعت أن تضفيها على صوتها :
– يا أستاذ لو سمحت.
التفت لصاحبة الصوت بعينين ناريتين وما إن رآها بملابسها الفاضحة وجمالها الواضح حتى تبدلت ملامحه وتدلى فكه السفلي في انبهار واشتهاء واضح أثار غرورها فاقتربت منه قائلة في هدوء وهي تمد يدها إليه :
– أنا دينا باشتغل مع جمانة في الشركة.
تطلع إلى يدها الممدودة لحظة ثم تناولها في لهفة وهو يهتف :
– أهلا وسهلا.
تركت يدها في يده عمدا وهي تراقب تأثير ذلك عليه ثم قالت في نعومة :
– ماعرفتنيش بنفسك طيب ؟
رد مرتبكا وهو يرفع عينيه إليها :
– ها .. آه .. اسمي هشام, دكتور صيدلي.
قالت في دلال :
– طيب يادكتور هشام تسمح لي أعزمك على الغدا ونتكلم شوية في موضوعك مع جمانة وتشرح لي اللي حصل يمكن أقدر أساعدك.
كان شَرِهاً للغاية, شرها لها ولأنوثتها الطاغية ولفكرة أن تدفع هي ثمن طعامه فوافق على الفور واتجها إلى سيارتها الفخمة فتطلع إليها في بلاهة ممتزجة بجشع ونهم مما جعلها تدرك أنها بالفعل أمسكت بطرف الخيط الذي ستشده حتى يخنق غريمتها .
الفصل الخامس عشر
______________
من أكثر الأيام إرهاقا كان هذا اليوم, توالت فيه الأحداث والصدمات خاصة بعدما علمت أن (هشام) حاول مقابلتها في الشركة لكنه قابل مديرها وعنفه بل وضربه أيضا, كان الموضوع حديث الشركة كلها مما أشعرها بالخجل, ترى ما الذي حدث والذي يجبره على ضربه وطرده بهذا الشكل؟ وما الذي يهمه من أمرها لكي يتصرف هكذا؟ عادت لمنزلها لتستقبلها صغيرتها بلهفة فانحنت تحملها وتقبل وجنتيها بشغف هاتفة :
– ملوكة حبيبة ماما وحشتيني.
ضحكت الصغيرة في سعادة ثم بادلت والدتها القبلة وتعلقت برقبتها وهي تتجه للمطبخ, دلفت إليه لتجد والدتها تطهو الطعام وشقيقتها جالسة تطالع بعض الأوراق في اهتمام وتحتسي كوبا كبيرا من النسكافيه, رفعت رأسها إليها وعلت شفتيها ابتسامة باهتة بها الكثير من الانكسار, كم تشعر بالأسى من أجل شقيقتها, تلك التي تراها أما ثانية وملاكا حارسا لها تصبح بهذا الضعف, هي امرأة كغيرها تحتاج للحب والوفاء, لكنها افتقدت كلاهما, بادلت شقيقتها الابتسام وهي تقترب منها وتنحني لتقبل رأسها قائلة :
– إزيك يالولو ؟ عاملة ايه النهاردة ؟ نزلتي المحكمة ولا ايه ؟
أجابتها شقيقتها بنفس الابتسامة في خفوت :
– أيوة نزلت, كان عندي شوية حاجات ضروري اخلصها وكان لازم أنزل.
ربتت على كتفها في حنان ثم أجلست طفلتها على الكرسي المقابل لخالتها واتجهت لوالدتها متسائلة :
– ها يا ست الكل, هناكل ايه من ايديك الحلوة النهاردة ؟
ابتسمت الأم وهي تجيب :
– عاملالك صينية الفراخ اللي بتحبيها إنت وأختك, غيري يلا وتعالي ساعديني الكلام الحلو مابيغسلش المواعين.
ضحكت (جمانة) واتسعت ابتسامة (لمياء) قليلا, ثم قالت (جمانة) وهي متجهة لغرفتها :
– بس كده, اؤمريني ياقمر إنتي.




