خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج٣

هزت الأم كتفيها بلا اهتمام وتابعتها بنظرها وهي تنهض متجهة للفيلا قائلة :
– هاطلع اغير وانزل اروح له, مام بليز دونت تيل داد Don’t tell dad يمكن أتأخر النهاردة.

قالت أمها :
– شور يادونا.

قابلت والدها عند مدخل الفيلا فابتسم لها قائلا :
– دينا حبيبتي, أنا رايح أزور عمك جلال تعبان شوية, تيجي معايا ؟

عقدت حاجبيها وهي تسأل :
– تعبان ماله داد ؟

رد في قلق :
– مش عارف اللي عرفته إنه أغمى عليه النهاردة وجاله الدكتور, هو الحمد لله أحسن بس لازم أزوره واطمن عليه.

شعرت أن ذهابها معه سيزيد من قيمته لدى (فريدة) ووالد (أدهم) لكنها لم تكن تملك من الأمر شيئا الآن فلديها موعد أهم, فما كان منها إلا ان قالت :
– أوك داد, معلش مش هاقدر آجي تعبانة شوية وهاطلع آخد شاور وانام, ابقي سلم لي عليهم كلهم.

سألها والدها في قلق :
– مالك يادينا ؟ تعبانة من ايه ؟

ردت في ملل :
– مفيش داد مرهقة بس شوية وحاسة عاوزة أنام, سي يو.

وتركته ثم دخلت إلى الفيلا لتستعد لموعدها الهام.

___________________________

أوقفت (دينا) سيارتها أسفل تلك البناية الفاخرة في أحد أرقى أحياء العاصمة, ثم ترجلت منها واتجهت للمصعد, ضغطت زر الطابق السابع عشر وهي تعدل من هندامها في مرآته وتخلع سترتها لتبدو من أسفلها ملابسها الشفافة الضيقة, أخرجت أحمر شفاة من حقيبتها وطلت شفتيها الممتلئتين سريعا مما زادها جاذبية ثم نثرت رذاذا آخر من عطرها المفضل, وصل المصعد للطابق المنشود فغادرته متجهة لإحدى الشقق في نهاية الممر, أخرجت مفتاحا من حقيبتها وفتحت الباب ودلفت للداخل, وجدت الشقة مضاءة بأضواء خافتة وتفوح منها رائحة عطرية محببة, تلفتت حولها في اهتمام فلم تلمح أحدا, أغلقت الباب خلفها واتجهت للداخل ملقية سترتها وحقيبتها على إحدى الأرائك في إهمال ثم نادت بصوت ناعم :
– طارق, طروقة إنت هنا ؟

سمعت صوتا من ناحية الشرفة فالتفتت إليها لتجده يدخل منها مرتديا روبا منزليا أنيقا وهو ينفث دخان سيجارته وينظر لها بشغف كان يبدو في العقد الرابع من عمره طويلا عريض المنكبين وبدا على جسده أنه يمارس إحدى الرياضات العنيفة, عيناه سوداوين صارمتين تحملان نظرة تشي بالقسوة خاصة مع أنفه الحاد وشفتيه الرفيعتين التهمها بعينيه في ثوان ثم قال :
– دونا, وحشاني يا مزة, تعالي.

مد يده إليها فاتجهت إليه ووضعت كفها في يده فضغط عليها ثم جذبها إليه وهو يتأملها بشهوانية جعلتها تبتسم, ثم قالت في دلال :
– إنت أكتر يا طروقة, من زمان ماكلمتنيش ولا لازم أكلمك أنا ؟

انطلقت من حلقه ضحكة مجلجلة ساخرة وهو يقول :
– إيه يادونا احنا هنضحك على بعض ؟ ماانت عارفة إننا مش بنتقابل إلا لو في مصلحة مش بس للمزاج.

مطت شفتيها في دلال أكبر وردت متظاهرة بالغضب :
– يعني مااعرفش اتدلع عليك شوية يا طاطا ؟

استمر في الضحك وضمها إليه وقال :
– هههههههههه اتدلعي براحتك ياقمر, هو أنا أقدر.

ابتعدت عنه وسارت تتهادى في خطواتها مثيرة إياه أكثر ثم جلست على أريكة كبيرة والتفت تناديه :
– تعالى اقعد بقى عشان نشوف المصلحة.

رفع حاجبيه في دهشة مفتعلة وفال :
– ياااه مستعجلة أوي ع المصلحة المرة دي يعني !!

تظاهرت بعدم الاهتمام وهي ترد :
– مش أوي تقدر تقول انتقام, تعالى وأنا أحكيلك.

ثم جلست تقص عليه قصة ملفقة عن (جمانة) و (أدهم) وعن رغبتها في الانتقام منهما بعد إهانتها وطردها من الشركة, ثم صمتت في انتظار رده, قال بعد فترة قصيرة من الصمت :
– اممممممم يعني الموضوع مزعلك وعاوزة تنتقمي وخلاص ؟ مفيش حاجة تانية ؟

نفت قائلة :
– نو, حاجة تانية زي ايه ؟

رد بذكاء وهو ينظر إليها :
– عاوزاه لنفسك مثلا.

شعرت بالارتباك ولم تجد ردا فضحك مرة أخرى وقال :
– يابنتي عادي, حتى لو عاوزاه لنفسك, أهو زيادة الخير خيرين والمليون يبقى ملايين, مادام أنا وانت زي مااحنا.

قال جملته الأخيرة بلهجة خاصة أصابتها بالرعب لكنها على الرغم من ذلك ابتسمت وقالت :
– أكيد مع بعض يا طروقة.

سألها مدعيا النسيان :
– ها قلتي لي بقى عاوزة ايه ؟

ردت بسرعة :
– تسجيلات, هاديك الرقمين وعاوزة بس عينة, وأظن الموضوع ده سهل أوي بالنسبة لظابط في مركزك.

فكر لثانية ثم قال في خبث :
– امممممممم والثمن ؟

ابتسمت في إغراء وردت :
– زي ماتحب.

اقترب منها وقال في شغف :
– انا باحبك إنتي.

ولم يمهلها فرصة للرد.

الفصل التاسع عشر
______________

في مساء اليوم التالي كانت (دينا) تقود سيارتها وإلى جوارها (هشام) يتأملها في اشتهاء كما اعتاد واعتادت هي, كان ذلك يصيبها بالغرور أكثر ويشبع رغبتها في لفت الأنظار, قال لها بطريقة مقززة :
– بس إيه رأيك فيا أنفع ممثل مش كده ؟

ضحكت وردت في سخرية :
– ممثل بس, ده إنت ممثل كبير كمان.

ثم رمته بنظرة جانبية وسألته :
– وأنا ايه رأيك في تمثيلي؟

شعر بأنفاسه تتلاحق فجأة وهتف :
– تمثيل ايه ده انا كان ممكن ام*وت في ايدك.

ضحكت بمجون فاستطرد بطريقة مقززة :
– بس ايه رأيك, مانفسكيش نعمل كده بجد.

التفت تتطلع إليه في دهشة ممتزجة بالسخرية ثم عادت تتابع الطريق وهي تقول بنفس السخرية :
– ايه يا إتش, إنت صدقت نفسك ولا ايه ؟ ماتنساش إن دي مجرد لعبة عشان نوصل لهدفنا.

شعر بالحرج يكسوه والغضب يتمكن منه فهتف ساخطا :
– ليه يعني ؟ مش قد المقام مثلا ؟

قالت مهادنة :
– مش قصدي كده يابيبي, احنا بينا بيزنس وبس, بعدين أنا عاوزة أدهم مش حد تاني.

ضيق عينيه وهو ينظر إليها ثم سألها في سخرية :
– بجد ؟ أدهم بس ؟ ولا أي راجل عاوزاه ياكلك بعنيه في كل خطوة.

أوقفت السيارة بحركة مفاجئة دفعته للأمام وكاد رأسه يرتطم بزجاجها الأمامي ثم التفتت إليه هاتفة بغضب وتعالٍ:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *