الطريق الزراعى ١

قالت بكسوف: “لا أنا بس…”

قال يوسف: “ليالي، ركزي معايا. الأفضل إنك تفضلي مراتي لحد ما تكملي واحد وعشرين سنة. بعد كده الوصاية مش هترجع لعمك أبدًا، وهتبقي حرة تمامًا، وتختاري حياتك بإيدك”

بصت له باستغراب وقلبها بيدق: “يعني نفضل متجوزين سنتين كمان؟”

قال: “ايوا.. ولو بعدها عايزة تمشي، هتمشي من غير ما حد يسألك. بس لحد وقتها، عايزك تسكني في الفيلا بتاعتي. عمك وابنه ممكن يرجعوا لو شافوا إنك لوحدك في السكن، والفيلا أأمن”

ليالي حست بحاجة غريبة بتتحرك جواها. حاجة دافية وحلوة بتطمن :” 

قالت بابتسامة صغيرة فرحانة: “بس أهلك؟”

قال: “أهلي مسافرين برة مصر من سنين، وأنا عايش لوحدي. الفيلا كبيرة، وهتلاقي أوضتك لوحدها”

ابتسمت، وللمرة الأولى من ساعات، لمعت عينيها بفرحة حقيقية من قلبها :” 

قالت: “موافقة يا أستاذ يوسف. وشكرًا بجد”

والعربية دخلت في طريق جديد، وبداية جديدة مليانة أمان :” 

حكايات الكاتبة ملك إبراهيم. 

**الفصل الرابع:

الفيلا كانت كبيرة وهادية، بحديقة واسعة فيها شجرة ياسمين قديمة بتفوح ريحتها في الليل وتطمن القلب. أول ما ليالي دخلت، وقفت في الصالة الواسعة وبصت حواليها مش مصدقة بدهشة طفلة. السقف عالي، والأثاث أنيق، والنور داخل من شبابيك كبيرة :” 

قالت بخجل وبراءة: “الفيلا حلوة آوي.. بس إزاي كنت عايش هنا لوحدك ؟”

يوسف ضحك وقال: “خلاص مبقتش لوحدي . أوضتك فوق، على اليمين. الأوضة اللي بتطل على الحديقة”

كانت الأوضة بسيطة ودافية، بسرير أبيض وستاير فاتحة وشباك كبير. فتحته ليالي، ودخل ريحة الياسمين . وقفت شوية بتتنفس، وحست لأول مرة إن الحياة ممكن تبقى هادية وآمنة :” 

الأيام بدأت تعدي حلوة. كل صباح يوسف بيسوق وليالي جنبه في طريقهم للشركة، والصمت بينهم بقى مريح، ومعاه كلمات صغيرة بتتحول تدريجيًا لحكايات طويلة تطلع من القلب. كانت بتحكيله عن الريف، عن الغيط وقت الفجر، وعن أمها اللي ماتت وهي صغيرة، وعن أبوها اللي كان بيعلمها القراءة على ضوء لمبة جاز. وهو كان بيحكيلها عن الشغل، وعن أول مشروع عمله وفشل فيه، وعن الوحدة اللي كان فاكر إنها اختيار، وفجأة اكتشف إنها كانت سجن كبير :” 

في ليلة، كانت قاعدة في الحديقة على كرسي خشب، ماسكة كتاب وحاضنة نفسها، ولقته جنبها من غير ما تحس. كان جايب كوبايتين شاي سخنين ريحتهم ترد الروح :” 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *