الطريق الزراعى ١

الحاج مصطفى قعد على الكرسي ببطء، كأن سنين عمره كلها نزلت عليه مرة واحدة. فضل ساكت دقايق، والكل مستني. وبعدين رفع راسه وقال بنبرة منكسرة وحزينة: “عايز إيه؟”

قال يوسف: “عايز أبعد ابنك عن ليالي، وأبعدك إنت كمان. تاخد ابنك وتمشوا من القاهرة، وما حدش فيكم يقرب منها تاني. ولو جيتوا تاني، المحضر هيتفتح من جديد وهتبقى مشكلة كبيرة”

الحاج بص لليالي بنظرة غريبة، فيها غضب وفيها حاجة تانية زي الندم والحنية اللي اتأخرت :” 

قال: “وإنتي يا ليالي؟ دا آخر كلام عندك؟”

هزت راسها وقالت بوجع بس بثبات: “آه يا عمي. وكان نفسي نبقى أهل بجد… بس إنتوا اللي اخترتوا”

الحاج مصطفى قام بدون كلمة، واتجه ناحية الباب. وقبل ما يطلع، قال بصوت واطي كله تعب: “هنعمل اللي انتوا عايزينه.. وانا وعيالي هنبعد عنها. بس خلّي بالك منها يا ابني. هي أمانة”

يوسف رد بجدية وحنية: “هي أمانة فعلًا. وأنا هحافظ عليها”

بعد ساعة، علوان اتفرج عنه بعد التنازل. خرج مكسور ومتكسر، بص لليالي من بعيد ولسه الغضب في عينيه، لكن ابوه شده من دراعه وقاله حاجة بصوت واطي، وركبوا العربية ومشيوا من غير ما يلتفتوا :” 

ليالي فضلت تتابعهم بعينيها لحد ما اختفوا. وبعدين قعدت على كرسي، ودفنت وشها في إيديها وبكت. بس البكا ده كان غير كل البكا اللي فات. كان بكا واحدة اتحررت أخيرًا وحست إن الحمل نزل من على قلبها :” 

في العربية، وهما راجعين، كان الصمت مريح ودافي. ليالي كانت بتبص من الشباك على شوارع القاهرة، وما كانتش خايفة منها زي أول مرة، كانت حاسة بأمان :” 

قالت فجأة بصوت رقيق: “أستاذ يوسف”

قال بحنية: “نعم؟”

قالت وقلبها مليان امتنان: “إنت دايمًا بتنقذني. أول مرة في الطريق، وبعدين الشركة، وبعدين النهارده. أنا مش عارفة أقولك إيه”

قال بابتسامة: “متقوليش حاجة”

سكتت شوية، وبعدين قالت بحزن حاولت تداريه وقلبها موجوع: “أنا فاهمة إن جوازنا ده على الورق بس، وفاهمة إنك عملت كده عشان تنقذني. وأنا عمري ما هنسى. بس لو في أي وقت حسيت إنك مش عايزني على ذمتك… تقدر تطلقني. أنا مش هزعل، ولا هطلب منك حاجة”

يوسف خفف سرعة العربية، وبص لها في المراية. الجملة دي وجعته أكتر مما توقع وحس قلبه اتقبض :” 

قال مستغرب ومتضايق: “مين قالك إني عايز أطلقك؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *